يسعى كل والد إلى توفير بيئة تمنح طفله الشعور بالأمان والثقة، وتساعده على بناء شخصية متوازنة وقادرة على التعبير عن مشاعرها. وبينما يركز كثير من الآباء على توفير احتياجات الطفل المادية والتعليمية، قد تكون بعض الكلمات البسيطة التي يسمعها يوميًا ذات تأثير مهم في نموه العاطفي.
ومن بين العبارات التي يمكن أن تمنح الطفل شعورًا قويًا بالأمان: «أنا هنا من أجلك، مهما حدث». فهذه الكلمات توصل رسالة واضحة مفادها أن الطفل يستطيع الاعتماد على والديه، وأن التعبير عن الخوف أو الحزن أو القلق لن يجعله يفقد الحب والدعم.
الأمان يبدأ من الاستجابة لمشاعر الطفل
يرتبط الشعور بالأمان بما يعرف في علم النفس بـالتعلق الآمن، وهو نمط من العلاقة يشعر فيه الطفل بأن الشخص الذي يرعاه موجود إلى جانبه، يستمع إليه ويستجيب لاحتياجاته، خصوصًا في لحظات الخوف أو الألم أو الاضطراب.
وتشير أبحاث في مجال نمو الطفل إلى أهمية استجابة الوالدين لإشارات أطفالهم وفهم احتياجاتهم العاطفية. فالطفل الذي يجد استجابة مناسبة عندما يبكي أو يشعر بالخوف أو يحتاج إلى الاحتضان، يتعلم تدريجيًا أن العالم المحيط به أكثر أمانًا وأنه ليس مضطرًا إلى مواجهة مشاعره بمفرده.
ماذا نقول للطفل عندما يتألم؟
قد يلجأ بعض الأهل، بحسن نية، إلى عبارات مثل «لا تبكِ» أو «الأمر ليس مهمًا»، في محاولة لتهدئة الطفل سريعًا. إلا أن الاعتراف بمشاعره قد يكون أكثر فائدة.
فعندما يسقط الطفل ويشعر بالألم، يمكن للوالدين القول: «أعرف أنك تتألم، وأنا هنا إلى جانبك». بهذه الطريقة، لا يتم تجاهل مشاعر الطفل أو التقليل منها، بل يتم الاعتراف بها مع تقديم الدعم والطمأنينة.
ولا يعني ذلك أن يوافق الوالد على كل تصرف يصدر عن الطفل، وإنما أن يميز بين تفهم الشعور وتصحيح السلوك. فمن الممكن أن نقول للطفل إن غضبه مفهوم، مع توضيح أن ضرب الآخرين، مثلًا، ليس سلوكًا مقبولًا.
الكلمات وحدها لا تكفي
ورغم أهمية العبارات المطمئنة، فإن بناء التعلق الآمن لا يعتمد على جملة واحدة تتكرر يوميًا. فالأمان العاطفي يتشكل عبر سلسلة من المواقف والتفاعلات المستمرة بين الطفل ووالديه.
ويشمل ذلك الإصغاء إلى الطفل، والانتباه إلى إشاراته، والاستجابة لحاجته إلى الدعم، واحترام مشاعره، إضافة إلى توفير حدود واضحة وثابتة تساعده على فهم ما هو مقبول وما هو غير مقبول.
كما أن وجود الوالد إلى جانب الطفل في لحظات الفشل والخوف لا يقل أهمية عن مشاركته لحظات النجاح والفرح. فالرسالة التي يحتاج الطفل إلى ترسيخها هي أنه محبوب ومدعوم حتى عندما يخطئ أو يمر بيوم صعب.
كيف يعزز الأهل شعور أطفالهم بالأمان؟
يمكن للأهل دعم الأمان العاطفي لدى أطفالهم من خلال ممارسات بسيطة في الحياة اليومية، أبرزها:
الاستماع إلى الطفل دون السخرية من مشاعره أو التقليل منها.
طمأنته بأنه يستطيع اللجوء إلى والديه عندما يشعر بالخوف أو الحزن.
استخدام عبارات واضحة مثل «أنا هنا معك» و«يمكنك أن تخبرني بما تشعر به».
احتضان الطفل أو مواساته عندما يحتاج إلى ذلك.
وضع حدود واضحة مع الحفاظ على الهدوء والثبات.
تجنب التهديد بسحب الحب أو التخلي عن الطفل كوسيلة للعقاب.
وفي النهاية، لا يحتاج الطفل إلى والدين مثاليين بقدر حاجته إلى والدين حاضرين ومتجاوبين مع احتياجاته. وقد تبدو عبارة مثل «أنا هنا من أجلك، مهما حدث» بسيطة، لكنها تصبح أكثر قوة عندما تدعمها الأفعال اليومية، من الإصغاء والاحتضان إلى الحضور الحقيقي في الأوقات التي يحتاج فيها الطفل إلى الشعور بأنه ليس وحده.
