بعد مرور 25 عاماً على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لا تزال ذكراها حاضرة بقوة في الذاكرة الأميركية، باعتبارها واحدة من أكثر الأحداث تأثيراً في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، ليس بسبب حجم الخسائر البشرية فحسب، وإنما لما تبعها من تحولات سياسية وأمنية وعسكرية امتدت آثارها إلى مختلف أنحاء العالم.
في صباح ذلك اليوم، استولى 19 شخصاً على أربع طائرات مدنية، قبل أن تُستخدم في تنفيذ هجمات استهدفت رموزاً اقتصادية وعسكرية وسياسية في الولايات المتحدة. اصطدمت طائرتان ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، فيما استهدفت طائرة ثالثة مبنى وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» في واشنطن، وتحطمت الرابعة في ولاية بنسلفانيا قبل بلوغ هدفها.
وأودت الهجمات بحياة نحو 3 آلاف شخص، بينهم مواطنون من عشرات الدول، كما تركت آلاف المصابين والمتضررين، وغيّرت بصورة عميقة طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الأمن والإرهاب والسياسة الخارجية.
يوم غيّر الذاكرة الأميركية
رغم مرور ربع قرن، لا يزال كثير من الأميركيين يتذكرون أين كانوا عندما علموا بالهجمات. وأظهرت استطلاعات حديثة أن 11 س بتمبر ما زال يحتل مكانة متقدمة بين الأحداث التي يعتبرها الأميركيون الأكثر تأثيراً في حياتهم، متقدماً في الذاكرة لدى كثيرين على أحداث كبرى وقعت خلال السنوات اللاحقة، مثل جائحة كورونا وانتخاب باراك أوباما ودونالد ترامب وإعصار كاترينا.
كما يرى معظم الأميركيين أن الهجمات غيّرت بلادهم بصورة كبيرة، بينما تراجعت مع مرور السنوات الثقة في قدرة الحكومة على منع تكرار هجوم مماثل مقارنة بالمستويات التي سُجلت مباشرة بعد الهجمات.
ماذا حدث في ذلك الصباح؟
بدأت الهجمات باختطاف أربع طائرات ركاب. وفي نيويورك، اصطدمت الرحلة 11 التابعة لشركة «أمريكان إيرلاينز» بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي، قبل أن تصطدم الرحلة 175 التابعة لشركة «يونايتد إيرلاينز» بالبرج الجنوبي.
وبعد وقت قصير، انهار البرجان، لتتحول منطقة مركز التجارة العالمي إلى واحدة من أكثر مشاهد الدمار شهرة في التاريخ الحديث.
وفي واشنطن، اصطدمت طائرة الرحلة 77 التابعة لـ«أمريكان إيرلاينز» بمبنى «البنتاغون».
أما الطائرة الرابعة، الرحلة 93 التابعة لـ«يونايتد إيرلاينز»، فتحطمت في منطقة شانكسفيل بولاية بنسلفانيا بعدما حاول ركابها وطاقمها مقاومة الخاطفين. وتشير التحقيقات إلى أن الطائرة كانت في طريقها إلى هدف في العاصمة الأميركية.
وقُتل الخاطفون الـ19 جميعاً خلال تنفيذ الهجمات.
«القاعدة» وأسامة بن لادن
ارتبط منفذو الهجمات بتنظيم «القاعدة»، الذي أعلن مسؤوليته عن العملية، فيما أصبح زعيم التنظيم آنذاك، أسامة بن لادن، المطلوب الأبرز للولايات المتحدة.
واستمر البحث عنه لسنوات، قبل أن تتمكن قوات أميركية خاصة من قتله في عملية داخل باكستان عام 2011.
كما قُتل أيمن الظواهري، الذي تولى قيادة «القاعدة» بعد بن لادن، في غارة أميركية بطائرة مسيّرة في العاصمة الأفغانية كابول عام 2022.
الآثار لم تتوقف عند نيويورك وواشنطن
لم تنتهِ تداعيات 11 سبتمبر بانهيار برجي مركز التجارة العالمي وإلحاق أضرار بمبنى «البنتاغون». فقد أعادت الهجمات تشكيل السياسة الأميركية في مجال مكافحة الإرهاب، وأطلقت مرحلة جديدة من العمليات العسكرية الأميركية في الخارج.
كما عززت الولايات المتحدة إجراءات أمنية واسعة في المطارات والمنافذ الحدودية، وأعيد تنظيم عدد من المؤسسات والأجهزة الحكومية لمواجهة خطر الإرهاب.
وكانت أفغانستان أولى ساحات الحرب التي أعقبت الهجم ات، بعدما شنت الولايات المتحدة وحلفاؤها عملية عسكرية ضد نظام طالبان بسبب إيوائه تنظيم «القاعدة» ورفض تسليم بن لادن.
ثم امتدت تداعيات مرحلة ما بعد 11 سبتمبر إلى العراق والشرق الأوسط، وأصبحت «الحرب على الإرهاب» عنواناً رئيسياً للسياسة الخارجية والأمنية الأميركية لسنوات طويلة.
آلاف الضحايا.. ومئات الأجانب
لم يكن الضحايا من الأميركيين فقط. فقد قُتل مئات الأشخاص من جنسيات مختلفة في الهجمات، ما جعل 11 سبتمبر مأساة ذات طابع دولي.
وتشير التقديرات إلى مقتل نحو 372 شخصاً من خارج الولايات المتحدة، من عشرات الدول.
وكان البريطانيون الأكثر عدداً بين الضحايا الأجانب، إذ فقدت بريطانيا 67 من مواطنيها، فيما سقط ضحايا من ألمانيا وإيطاليا وإيرلندا وبولندا وفرنسا ورومانيا والبرتغال ودول أوروبية أخرى.
وكان كثير من الضحايا يعملون في القطاع المالي داخل مركز التجارة العالمي أو كانوا موجودين فيه عند وقوع الهجمات.
ومن بين أكثر الشركات تضرراً كانت شركة الخدمات المالية «كانتور فيتزجيرالد»، التي كانت تشغل عدة طوابق في البرج الشمالي، حيث قُتل 658 من موظفيها، في واحدة من أكبر الخسائر البشرية التي تتكبدها شركة واحدة خلال الهجما ت.
خالد شيخ محمد.. القضية التي لم تنتهِ
وبعد ربع قرن، لا تزال القضية القضائية المرتبطة بالهجمات مفتوحة. ويُتهم خالد شيخ محمد بأنه أحد أبرز المخططين للهجمات، وقد أُلقي القبض عليه في باكستان عام 2003 ونُقل لاحقاً إلى معتقل غوانتانامو.
وتواجه محاكمته تعقيدات قانونية استمرت سنوات، خصوصاً بسبب الجدل حول الأدلة التي جُمعت خلال فترة احتجازه لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وما رافقها من أساليب استجواب تعرضت لانتقادات واسعة.
وكان اتفاق للإقرار بالذنب قد أُبرم في 2024 ثم انهار لاحقاً، ما أعاد القضية إلى مسار المحاكمة العسكرية.
ربع قرن.. وذكرى لم تغب في الذكرى الخامسة والعشرين، تستعيد الولايات المتحدة أسماء الضحايا في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا، فيما تبقى مواقع الهجمات الثلاثة أماكن لإحياء الذكرى وتكريم الذين فقدوا حياتهم.
وبالنسبة إلى جيل عاش ذلك اليوم، لا تزال صور الطائرات وهي تصطدم بالبرجين، وتصاعد الدخان فوق نيويورك، وانهيار المباني، من أكثر الصور رسوخاً في الذاكرة الجماعية.
أما بالنسبة إلى الأجيال التي ولدت بعد 11 سبتمبر، فقد أصبحت الهجمات حدثاً تاريخياً شكّل العالم الذي نشأت فيه.
وبعد 25 عاماً، لم تعد قصة 11 سبتمبر مجرد ساعات من العنف في صباح أميركي؛ بل أصبحت نقطة فاصلة أعادت رسم سياسات الأمن والحرب والإرهاب، وتركت أثراً امتد من نيويورك وواشنطن إلى مناطق عديدة حول العالم، ولا تزال تداعياته مستمرة حتى اليوم.
