مع كل دفعة جديدة من الوثائق المرتبطة بقضية جيفري إبستين، يتوسّع نطاق الجدل العام، وتتضاعف الأسئلة حول الأسماء والبلدان التي تُستحضر في التداول الإعلامي. غير أن قراءة الوثائق نفسها تكشف فجوة واضحة بين ما ورد في المستندات وما جرى تحميله لها خارج سياقها الأصلي، لا سيما في ما يخص لبنان والعالم العربي.
الوثائق ا لمنشورة حتى الآن تتضمن مراسلات، إفادات، وسجلات تحقيق تعود إلى مراحل مختلفة من القضية. في هذا الإطار، يرد اسم لبنان في سياقات عامة تتصل بالشرق الأوسط، من دون أن يظهر كمسرح لوقائع موثّقة أو كموقع نشاط إجرامي مرتبط مباشرة بالشبكات التي شكّلت جوهر القضية. لا تَظهر في الإفادات المعروفة شهادات لضحايا تشير إلى وقائع حصلت في لبنان، كما لا ترد سجلات سفر موثّقة تُظهر وجود إبستين فيه.
اسم لبنان ورد في إحدى المراسلات المنسوبة إلى محيط إبستين ضمن نقاش خاص بين أطراف ثالثة، جرى فيه التعامل مع لبنان ودول أخرى في المنطقة بوصفها «بيئات رخوة» أو «صالحة للاستغلال» من حيث ضعف الرقابة أو القوانين.
في ما يتعلق بالأسماء اللبنانية، يظهر بعضها في مراسلات أو مذكّرات ضمن كمّ واسع من الوثائق، من دون أن تترافق هذه الإشارات مع توصيف قانوني أو توصيات قضائية أو إفادات ضحايا. هذا الظهور، كما هو حال عشرات الأسماء الأخرى الواردة في الملف، يطرح سؤالاً حول معايير إدراج الأسماء في التداول العام، أكثر مما يقدّم معطيات حاسمة بحدّ ذاته.
الأمر ذاته ينسحب على العالم العربي عموماً، إذ تكشف الوثائق عن حضور محدود للمنطقة في الملف، يقتصر على سياقات سياسية أو اقتصادية عامة. ولا تظهر في المستندات المنشورة إشارات إلى شبكات استغلال أو مواقع جغرافية عربية مرتبطة بالجرائم التي خضعت للتحقيق، في مقابل تركّز الوقائع الموثّقة في الولايات المتحدة وأوروبا.
غير أن هذا التباين بين كثافة الذكر وحدّة الجدل يسلّط الضوء على مسألة أوسع، تتعلق بطريقة قراءة الوثائق في الفضاء العام. فالقضية، في جوهرها، لا تتوقف عند الأسماء بحد ذاتها، بل عند شبكة علاقات ونفوذ سمحت باستمرار الانتهاكات لسنوات من دون مساءلة حاسمة. وفي هذا السياق، يصبح التركيز على الذكر المجتزأ مدخلاً لتفريغ الملف من مضمونه الأعمق.
من هنا، لا تطرح وثائق إبستين سؤال البراءة أو الإدانة بقدر ما تطرح سؤال المنهج: كيف تُقرأ الوثيقة، وكيف يُبنى الاتهام، وأين تتوقف حدود النص. فالفارق بين ما هو مثبت وما هو متداول يبقى عنصراً حاسماً في فهم القضية، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الإعلامي.
في ما يخص لبنان والعالم العربي، تبقى المعطيات المنشورة حتى الآن محدودة ولا تُنتج صورة مكتملة، فيما يستمر الجدل أوسع من الوثائق نفسها. وهذا التناقض يعكس، في نهاية المطاف، طبيعة ملف لم يُغلق بعد، ولا تزال تداعياته تُدار في الإعلام أكثر مما تُحسم في القضاء.
