"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

حتى الحريري لم ينجُ منها.. وثائق إبستين: عندما تُغرق الشفافية الحقيقة بدل أن تكشفها

نيوزاليست
الثلاثاء، 3 فبراير 2026

حتى الحريري لم ينجُ منها.. وثائق إبستين: عندما تُغرق الشفافية الحقيقة بدل أن تكشفها

كثيرة هي الأسماء التي وردت في وثائق جيفري إبستين، وتعود بمعظمها إلى شخصيات نافذة عُرفت بتأثيرها في مراحل مختلفة في عوالم السياسة والمال والأعمال والفن، إلى حدّ بدا معه أن هذه الوثائق لا تكاد تستثني جنسية أو بلدًا، إذ طاولت الإشارات دولًا من مختلف أنحاء العالم، بينها لبنان، حيث ورد اسم رئيس تيار المستقبل سعد الحريري في وثيقتين، تظهر إحداهما احتمال تواجده في ما يُعرف بـ«جزيرة إبستين» التي اكتسبت لاحقًا سمعة سيئة، مع التأكيد أن مجرد ذكر الأسماء في هذه الوثائق لا يشكّل بحدّ ذاته دليلًا على تورّط أو سلوك غير قانوني، في ظل غياب معطيات قضائية أو تفاصيل موثّقة تحدد طبيعة هذه الإشارات أو سياقها.

لم يكن نشر أرشيف جيفري إبستين حدثًا كاشفًا بقدر ما كان مربكًا. فبموجب قانون أُقرّ في الكونغرس أواخر عام 2025، وُضع في التداول العام جزء واسع من وثائق القضية: ملايين الصفحات، وآلاف الصور ومقاطع الفيديو. غير أن هذا السيل من المواد لم يُنتج سردية واضحة بقدر ما صنع ضجيجًا كثيفًا، اختلطت فيه الوقائع المثبتة بالادعاءات غير المتحقَّق منها، وتحولت معه الوثائق من أداة لكشف الحقيقة إلى مصدر دائم للشك.

يستند هذا التحليل إلى مقاربة قدّمتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، التي تناولت الأرشيف المنشور لا بوصفه مادة فضائحية، بل باعتباره إشكالية قانونية ومعرفية تتعلق بكيفية إنتاج الحقيقة نفسها. فالسؤال المركزي، كما طرحته الصحيفة، لا يدور حول كثرة الوثائق أو خطورتها، بل حول ما الذي يحدث عندما تُنشر المواد الخام في غياب تحقيق قضائي مكتمل قادر على منحها معنى نهائيًا.

نظريًا، يفترض أن تؤدي الشفافية إلى تبديد الغموض. لكن ما جرى في قضية إبستين كشف مفارقة معاكسة: فيض المعلومات، حين يُطرح بلا فرز قضائي ولا تحقيق مكتمل، قد يُغرق الحقيقة بدل أن يُنقذها.

أرشيف بلا ميزان

نُشرت الوثائق منقّحة جزئيًا، وفق معايير لم تُعلن بوضوح، فيما احتفظت وزارة العدل الأميركية بملفات أخرى وُصفت بأنها شديدة الحساسية، ولا سيما تلك المتعلقة بالإباحية والاعتداءات الجسدية والوفيات. هذا التوزيع غير المتوازن بين ما كُشف وما حُجب لم يُنتج طمأنة، بل غذّى شعورًا عامًا بأن الحقيقة مجزّأة، وأن ما بقي في الأدراج قد يكون أكثر أهمية مما نُشر.

ومن بين الوثائق المتداولة، مذكرة صادرة عن الشرطة الفدرالية في آب/أغسطس 2025، تلخّص ادعاءات طُرحت على مدى سنوات، بعضها ورد عبر خط اتصال هاتفي مخصّص من دون إمكانية التواصل مع مقدّمي البلاغات أو التحقق من رواياتهم. وجود مثل هذه المواد في الأرشيف المنشور يوضح حدود الوثائق ذاتها: فهي تسجّل أقوالًا، لكنها لا تحسم صدقيتها.

الادعاءات المتعلقة بترامب: اختبار الوثيقة خارج القضاء

تتجلّى هذه الإشكالية بوضوح في ما يتعلق بالادعاءات التي وردت بحق الرئيس الأميركي دونالد ترامب. إذ تتضمن إحدى وثائق مكتب التحقيقات الفدرالي، الصادرة في آب/أغسطس 2025، تلخيصًا لاتهامات وُجّهت إليه على مدى سنوات. وهي ادعاءات وُصفت بأنها بالغة الخطورة من حيث مضمونها، لكنها تفتقر إلى المصداقية القضائية، لكونها لم تُدعَّم بتحقيقات أو تقاطعات مستقلة.

وتشير الوثيقة نفسها إلى أن بعض هذه الادعاءات قُدّم عبر جهاز الردّ الآلي لخط اتصال مخصّص، من دون إمكان تحديد هوية المتصلين أو التواصل معهم لاحقًا. وقد أكدت السلطات الأميركية لاحقًا أنها لم تعثر على عناصر تبرّر فتح تحقيق معمّق في هذه المزاعم. ومع ذلك، كان إدراجها في الأرشيف المنشور كافيًا لإطلاق موجات واسعة من الجدل والتأويل على شبكات التواصل الاجتماعي.

وهنا، كما تلاحظ «لوموند»، تتحول الوثيقة من أداة توثيق إلى عنصر إرباك، حين تُفصل عن مسار قضائي قادر على التمييز بين الادعاء والواقعة المثبتة.

الجريمة المثبتة… والفرصة الضائعة

في المقابل، لا يترك الأرشيف شكًا في وجود جرائم مؤكدة. إذ تكشف مسودة لائحة اتهام فدرالية أُعدّت عام 2007، قبل أن يُتخلى عنها لصالح القضاء في ولاية فلوريدا، عن حجم شبكة استغلال قاصرات أقامها إبستين، وكانت أصغر الضحايا فيها في الرابعة عشرة من عمرها. هذه الوقائع ليست موضع جدل.

غير أن المسار القضائي الذي تلاها هو ما فتح باب الالتباس. ففي عام 2008، استفاد إبستين من اتفاق إقرار بالذنب شديد التساهل، سمح له بقضاء ثلاثة عشر شهرًا فقط في السجن، مع إذن بالخروج يوميًا للعمل، رغم الأدلة المتوافرة آنذاك. هذا القرار لم يُضعف فقط ثقة الرأي العام بالقضاء، بل أسهم في تأجيل الحقيقة، وربما في توسيع دائرة الجرائم لاحقًا.

الأسماء… من سياق إلى إدانة

تضمّن الأرشيف مراسلات واتصالات تشير إلى علاقات إبستين بشخصيات نافذة من عوالم السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام. غير أن هذه المراسلات، في معظمها، لا تتضمن أدلة على أفعال جنائية. ومع ذلك، وفي غياب تحقيق قضائي حاسم، بات مجرد ذكر الاسم يُقرأ شعبيًا كاتهام، لا كعنصر سياقي يحتاج إلى تدقيق.

هنا، لا تعمل الوثائق كقرائن ضمن مسار عدلي متكامل، بل كمحفّزات لشبهات مفتوحة، حيث يحلّ الانطباع محل الدليل، وتتحول الشفافية إلى محكمة شعبية بلا قضاة.

فشل الدولة قبل فوضى الأرشيف

المشكلة الجوهرية لا تكمن في كثرة الوثائق، بل في غياب المؤسسة القادرة على تنظيم معناها. ففي دولة قانون تعمل بكفاءة، كان يفترض بالمحققين الفدراليين أن يفرزوا المواد، وأن يحددوا بوضوح ما يرقى إلى جريمة وما يظل في إطار الادعاء. ما حدث هو العكس: أُطلق الأرشيف إلى الفضاء العام، بينما بقيت الحقيقة القضائية معلّقة.

وعليه، لا تُستخرج الحقيقة بكثرة الوثائق وحدها، بل بوجود قضاء يحسن استخدامها. وعندما يغيب هذا القضاء، تتحول الشفافية إلى فوضى، ويغدو الأرشيف مساحة تختلط فيها الوقائع المثبتة بالادعاءات غير المحسومة، من دون أن يخرج منها اليقين.

المقال السابق
بزشكيان يعلن : كلفتُ عراقجي التفاوض
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

غراهام يقود الضغط على ترامب: لم يخرج الإيرانيون من أجل اتفاق نووي أفضل… وسقوط النظام سيكون بحجم سقوط جدار برلين

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية