معطيات هذه الافتتاحية ومعلومات أخرى في بودكاست خاص/ لمتابعته يرجى انقر هنا
أعلنت وزارة الداخلية السورية، الأحد، تفكيك خلية مسلّحة نفّذت اعتداءات استهدفت منطقة المِزّة ومطارها العسكري في دمشق، مؤكدة أن مصدر الصواريخ ومنصّات الإطلاق والطائرات المسيّرة المستخدمة يعود إلى حزب الله اللبناني. ولم يكن الإعلان تفصيلاً أمنيًا عابرًا، بل حمل في توقيته وصيغته دلالات سياسية وأمنية تتجاوز حدود العملية نفسها.
ويكتسب هذا الاتهام، وهو الأول من نوعه بهذه الصراحة من جهة رسمية سورية، أهمية خاصة في هذه اللحظة تحديدًا، بغضّ النظر عن نفي حزب الله لوقائعه. فهو يأتي في سياق سعي دمشق إلى ترتيب وضعها الداخلي وتثبيت احتكار الدولة للقرار الأمني، عبر تفكيك شبكات السلاح غير الخاضع لسلطتها، بما فيها تلك المرتبطة بعلاقات وتحالفات خارجية سابقة.
ومن جهة ثانية، يتقاطع هذا التطور مع مسار إقليمي أوسع يتمثل في نقاشات متقدمة حول ترتيبات أمنية كبرى في المنطقة، تشمل سوريا وإسرائيل، بدعم من واشنطن وتشجيع من باريس، من دون أن يعني ذلك بالضرورة ربطًا مباشرًا بين الملفين، لكن في إطار إعادة رسم التوازنات وضبط الساحات.
أما على المستوى اللبناني، فإن توجيه اتهام رسمي سوري لحزب الله بتوفير السلاح المستخدم في عمليات نُفّذت خارج الأراضي اللبنانية يضع لبنان تلقائيًا في دائرة تداعيات إقليمية أوسع. فحتى في غياب أي دور مباشر للدولة اللبنانية، يُعاد إدراج لبنان في الخطاب الأمني والسياسي الخارجي كمنشأ محتمل لتهديدات عابرة للحدود، ما يفتح الباب أمام ضغوط إضافية، ويُعيد طرح مسألة السلاح الخارج عن سلطة الدولة كعامل مؤثر في علاقات لبنان الخارجية واستقراره الهش.
لكن التداعيات لا تتوقف عند الدولة اللبنانية. فبالنسبة إلى حزب الله نفسه، لا يبدو هذا التطور عابرًا أو قابلًا للاحتواء السريع. إذ يرفع الاتهام وتيرة المطالب بنزع سلاحه غير الخاضع للدولة على أكثر من مستوى في آن واحد: داخليًا في لبنان، إقليميًا، وعلى مستوى المجتمع الدولي.
وهو مسار مرشّح لأن ينعكس مباشرة على المقاربات الأمنية القائمة، ولا سيما على لقاءات قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في تامبا–فلوريدا وواشنطن، وعلى الخطة التي يعمل عليها الجيش اللبناني لحصر السلاح شمال نهر الليطاني، وما يرافقها من ضغوط لتسريع وتيرتها وجعلها أكثر فعالية.
كما يعيد هذا المشهد إلى الواجهة التحذير الذي أطلقه سابقًا توم براك، الناشط بقوة على المسار السوري، حين نبّه إلى أن فشل الدولة في لبنان قد يفتح الباب أمام إعادة إدراج البلاد ضمن إطار «بلاد الشام»، في إشارة إلى مخاطر فقدان السيطرة السيادية وتداعياتها الإقليمية.
باختصار، لا يفتح هذا الاتهام ملف خلية مسلّحة فحسب، بل يفتح أيضًا فصلًا جديدًا في التعامل مع حزب الله وسلاحه. فلم يعد هذا السلاح مسألة داخلية أو محصورة في الصراع مع إسرائيل، قابلة للتأجيل أو المناورة، بل بات موضع مطالبة متزايدة بنزعه من قبل دول الجوار، وبدعم واضح من عواصم القرار الدولية، باعتباره عامل تهديد مباشر للأمن والاستقرار الإقليميين.