"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

تشريح الشرّ في (نورمبرغ)

نيوزاليست
الجمعة، 20 فبراير 2026

تشريح الشرّ  في (نورمبرغ)

كوليت بهنّا

لسنوات طويلة أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية، ساد انطباع عام حول الأفلام الروائية أو الوثائقية التي تتحدث عن (الهولوكست) بوصفها تذكرة عبور لصنّاعها نحو الشهرة والجوائز الكبرى لمهرجانات السينما العالمية. وفي الواقع، يعتبر هذا التعميم غير منصف، إذ أن تفوق الفيلم كقيمة فنّية بحدّ ذاتها هو أساس تقييمه. وعليه يمكن القول إن نجاح العديد من هذه الأفلام كان مستحقاً، إذ تمكن صنّاعها من محاكاة الفظائع النازية برؤية سينمائية وروائية جديدة ومغايرة، مُحكمة في صنعتها السينمائية، حملت رسائل إنسانية شاملة ومؤثرة لا تنحصر بالمحرقة فقط. من أشهرها وأهمها (قائمة شيندلر 1993) لستيفن سبيلبيرغ و(عازف البيانو 2002) لرومان بولانسكي و(منطقة الاهتمام 2023) للبريطاني جوناثان غليزر.

بدوره، ينضم فيلم (نورمبرغ 2025) الذي طرح للعرض الجماهيري في نوفمبر الفائت، لمخرجه وكاتب السيناريو جيمس فاندربلت، وبطولة النجمين العالميين راسل كرو ورامي مالك، كأحدث إنتاج أميركي برؤية مغايرة عن النازية، والمقتبس عن رواية (النازي والطبيب النفسي) 2013 لمؤلفها جاك الحاي. فيلم استوحيت شخصياته من شخصيات تاريخية حقيقية ويمهد في بدايته إلى أن ما سيروى يستند إلى روايات حقيقية لمن عاشوا تلك الأحداث ومن لم ينج منهم، ويتلخص حول وقائع الأيام التي تلت انتهاء الحرب بعد إلقاء القبض على عدد من كبار القيادة النازية من قبل الجيش الأميركي، والمحادثات السياسية والقانونية المتبادلة بين الحلفاء حول شرعية محاكمة هؤلاء الضباط وماهيّة التهم التي ستوجه إليهم مع عدم وجود قانون دولي يُستَند إليه، بالتالي ستدور المحاكمات في فراغ قانوني.

الحلفاء المنتصرون، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي، والذين ستظهر المداولات الرسمية فيما بينهم رغبتهم في إعدام الضباط النازيين دون محاكمات بغية عدم منحهم منبراً للدفاع عن أنفسهم، سيتوصلون صاغرين، خشية من تحمل المسؤولية والخضوع لأي مساءلة قانونية مستقبلية، إلى ضرورة إجراء المحاكمات من قبل أربع قضاة دوليين، يتقدمهم القاضي الأميركي جاكسون الأكثر حماساً لسد الفراغ القانوني وشرعنة المحاكمات تحت تهمة التآمر لشن حرب عدوانية على العالم، مانحاً إياها الشرعية الروحية الحاسمة عبر الحصول على مباركة الكرسي الرسولي في الفاتيكان، الذي سيرفض بداية ثم يوافق صاغراً بعد تذكيره بتورّط الكنيسة الكاثوليكية بوصفها أول قوة دولية اعترفت بدولة الفوهرر وأيدت القيادة النازية ووقعت مع هتلر اتفاق (الرايخكونكوردات) 1933.

مع الإقرار الدولي بعقد المحاكمات، والتي سيعاد ترميم قصر العدل في مدينة نورمبرغ الألمانية لأجلها، يتم إيفاد الرائد في الجيش الأميركي دوغلاس كيلي (رامي مالك) بدور الطبيب النفسي والعبقري في تفكيك العقول، المكلّف بفحص الحالة العقلية للأسرى خشية إقدامهم على الانتحار بكبسولات السيانيد وضياع الفرصة الوحيدة لمحاكمتهم ومعرفة العقلية التي أديرت بها القيادة النازية. لكن الطبيب كيلي يأتي حاملاُ هدفاً مبيتاً يضاف إلى مهمته، وهي نيته نشر كتاب لاحق يتعلق بهذه المهمة الحاسمة في حياته، مفسراً حماسه برغبته في “تشريح الشر”، طارحاً تساؤلاً جوهرياً يتعلق بهؤلاء الرجال وما الذي مّيزهم عن غيرهم ومكّنهم من ارتكاب الجرائم التي ارتكبوها حتى كادوا يسيطرون على العالم. مضيفاً “بأننا لو استطعنا تعريف الشر من الناحية النفسية لضمنّا ألا يتكرر شيء كهذا مجدداً”.

في مواجهته الأولى للرجل الثاني خليفة هتلر، مارشال الرايخ ورئيس الرايخستاغ ووزير الطيران والقائد العام للسلاح الجوي هيرمان غورنغ ويلعب دوره (راسل كرو)، والذي استسلم طوعاً للقيادة الأميركية ضمن الأراضي النمساوية وكانت بصحبته زوجته وطفلته وما يزيد على مليون دولار بالعملة الألمانية والمجوهرات. يسجل الدكتور كيلي انطباعه الأول عنه بأنه ساحر ولديه تعاظم في صورة الذات. وفي الحقيقة، سيصاب الطبيب كيلي بلوثة المارشال غارنغ، إذ سيتمكن الأخير، من فرض هيبته العظيمة عليه حتى وهو في زنزانة، دون أن يبدو ذليلاً أو ضعيفاً لوهلة طوال فترة اعتقاله، وأيضاً طوال فترة المحاكمات التي ظلّ رابط الجأش فيها حتى اللحظة الأخيرة.

اللعبة السينمائية التي نسجها المخرج بمهارة، يفترض بها أن يتمكن الطبيب من تفكيك عقل ونفس المارشال. لكن ما سيحدث هو العكس، حيث سنكتشف دهاء المارشال الذي سيفكّك نفسية طبيبه، ويتلاعب به لوقت طويل بل ويخدعه ويصيبه باضطراب لاحق. رغم أنهما، وخلال جلسات حوار طويلة ومتكررة داخل الزنزانة، تصادقا لبعض الوقت وتبادلا الثقة التي تدفع بالدكتور كيلي للتعاطف مع المارشال إنسانياً وحمل رسائله الورقية إلى زوجته وابنته في الخارج، بما حملته هذه المهمة السرّية من مخاطرة وتهديد لمهمة الدكتور كيلي المتمثلة بالإيقاع بالمارشال عبر التحليل النفسي.

يحاكي فيلم نورمبرغ بصرياً المحاكمات الحقيقية ببراعة شديدة، بما فيها تضمينه للعديد من المشاهد الوثائقية للمحاكمات وإدماجها في مكانها المناسب والمؤثر، وبخاصة إعادته لبثّ الفيلم الوثائقي الحقيقي الذي عرض داخل المحكمة في حينه، والذي قدم دليلاً لا لُبس فيه لما كان يحدث داخل معسكرات الاعتقال النازية من أهوال وفظائع، ليس بحق إبادة 6 ملايين يهودي فقط، بل بحق مئات الآلاف من العمال والشيوعيين والصحافيين والفنانين والأدباء والموسيقيين وكل المعارضين للنازية من الألمان وغير الألمان. حتى إن الكثير من هذه المشاهد التاريخية الموثقة ستعيد إلى ذاكرتك قسوة (صور قيصر) السورية والكثير من الفظائع المماثلة بما فيها التجويع وجرف الأشلاء البشرية بالجرافات ودفعها إلى حفر المقابر الجماعية.

كما يعتمد الفيلم كثيراً على الحوارات المثيرة التي تحدث بين الطبيب ومارشال الرايخ غارنغ، بحيث تصلح هذه الحوارات الطويلة للمسرح أكثر منها للسينما، لكنها في النهاية حوارات عميقة كشفت عن الرسالة التي أراد المخرج إيصالها بجرأة، والتي لا تتعلق بالمحاكمات تحديداً في واقع الأمر، بل في إدانة كل الحروب وفظائعها وقادتها عبر التاريخ وحتى اليوم، معتبراً خلال المواجهة الحادة والأخيرة بين الدكتور كيلي وغارنغ، وعلى لسان الأخير بأن انتصار الحلفاء وخسارة النازيين لا يعني أن الحلفاء أسمى أخلاقياً. مذكراً طبيبه بما فعله الروس بأسرى الحرب الألمان، ومنهياً الحوار بسؤال مباشر للطبيب إن كان يعتقد أن الرصاص والقنابل الأميركية لا تقتل؟؟؟ وبأن حكومته الأميركية أمكنها تبخير 150 ألف ياباني بكبسة زر واحدة.

(نورمبرغ) فيلم هام وثري بالمعلومات التاريخية والحوارات المُعتنى بها ويتحمل أكثر من قراءة نقدية، يعيد طرح أسئلة إشكالية كثيرة، وينتهي بمقتطفات من الكتاب الذي نشره الطبيب كيلي لاحقاً بأن (أناساً كهؤلاء النازيين الذين لابد أن تقرّ بأنهم فئة فريدة من البشر، هم ليسوا فئة فريدة، وأنماط شخصياتهم ليست غامضة، وهم موجودون في كل بلد في العالم اليوم). فيلم أدى فيه كل من النجمين الكبيرين راسل كرو ورامي مالك أحد أجمل وأهم أدوارهما المؤثرة، والتي لم تقد أي منهما نحو الترشح لأفضل ممثل، بل اكتفت الأكاديمية بترشيح الفيلم لجائزتي أفضل موسيقى أصلية وأفضل ماكياج وتصفيف شعر في الدورة 98 للأوسكار في مارس المقبل، رغم تصنيف الفيلم النقدي العالي على قاعدة بيانات الأفلام على الأنترنيت.

نقطة وأوّل السطر

المقال السابق
زيلينسكي أوكرانيا "لا تخسر الحرب"
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

الجاهلية التي اخترعناها ..

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية