قال دونالد ترامب إنه يفضّل حلّ الأزمة مع إيران عبر الدبلوماسية، لكنه شدد على أن الولايات المتحدة “لن تسمح أبداً لأكبر ممول للإرهاب في العالم بامتلاك سلاح نووي”. وأضاف: “لا ينبغي لأي دولة أن تشكك في عزيمتنا. لدينا أقوى جيش في العالم، وقد أعدنا بناءه، ووافقنا على ميزانية دفاعية تقترب من تريليون دولار”. وختم مؤكداً أن مقاربته تقوم على مبدأ “السلام من خلال القوة”، معتبراً أنه “فعّال للغاية”.
في خطاب هو الأطول في تاريخ حالة الاتحاد، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران في صدارة المشهد، مرسلاً مزيجاً كثيفاً من التهديد والانفتاح المشروط على التفاوض، تحت سقف واضح لا لبس فيه: منع طهران من امتلاك سلاح نووي بأي ثمن.
لم يتحدث ترامب عن إيران بوصفها ملفاً خارجياً عادياً، بل كقضية مركزية تحدد اتجاه المرحلة. قال إنه يسعى إلى السلام حيثما أمكن، لكنه لن يتردد أبداً في مواجهة أي تهديد للولايات المتحدة، مستحضراً الضربات التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني العام الماضي، ومؤكداً أن واشنطن حذّرت طهران من إعادة بناء قدراتها، “لكنها مستمرة”. بهذه الصيغة، وضع الرئيس الأميركي معادلة مزدوجة: باب تفاوض مفتوح شكلياً، مقابل استعداد فعلي للتصعيد.

تصعيده لم يقتصر على الإشارات العسكرية، بل اتخذ طاب عاً اتهامياً مباشراً. تحدث عن النظام الإيراني بوصفه مصدراً دائماً “للإرهاب والموت والكراهية” منذ أكثر من أربعة عقود، واعتبر أن طهران تعمل على تطوير صواريخ قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية. كما أشار إلى الاحتجاجات الداخلية، معتبراً أن السلطات قمعتها بعنف واسع، في خطاب يتجاوز السياسة إلى محاولة نزع الشرعية الأخلاقية عن النظام.
وفي استحضار مقصود لسياسة الضربات النوعية، أعاد التذكير باغتيال قاسم سليماني، واصفاً العملية بأنها كانت ذات “تأثير هائل”، في رسالة مزدوجة إلى طهران وحلفائها بأن هذا الخيار لا يزال قائماً. ثم ذهب أبعد من ذلك حين قال إن الولايات المتحدة “دمّرت” البرنامج المستهدف، قبل أن يتهم إيران بمحاولة إعادة بنائه والسعي مجدداً إلى تحقيق ما وصفه بـ”طموحاتها الخبيثة”.
اللافت أن ترامب كشف في الوقت نفسه أن إيران تريد إبرام اتفاق، لكنه ربط أي مسار تفاوضي بعبارة واحدة لم يسمعها بعد: “لن نمتلك سلاحاً نووياً أبداً”. بهذا الشرط، رفع سقف التفاوض إلى مستوى يكاد يكون إقصائياً، ما يحوّل الدبلوماسية إلى أداة ضغط أكثر منها مسار حل. وختم هذا المحور بتأكيد حاسم أن الولايات المتحدة لن تسمح “لأكبر دولة راعية للإرهاب في العالم” بامتلاك سلاح نووي، في تثبيت واضح لخط أحمر غير قابل للمساومة.
بالتوازي، حرص ترامب على تثبيت عنصر القوة، مشدداً على أن بلاده تملك “أقوى جيش على وجه الأرض”، وأنه لا ينبغي لأي دولة أن تشكك في تصميمها. هذه اللغة لا تعكس مجرد تهديد تقليدي، بل تشير إلى انتقال واشنطن من سياسة الضغط إلى مرحلة ردع نشط، يصبح فيها الخيار العسكري جزءاً من أدوات التأثير اليومية، لا مجرد احتمال مؤجل.
في ما بين السطور، يرسم الخطاب ملامح مرحلة جديدة عنوانها إدارة صراع مفتوح منخفض الوتيرة، لكنه قابل للاشتعال السريع. لم تعد الولايات المتحدة تتحدث عن احتواء إيران، بل عن ضبط سلوكها عبر مزيج من الضغط المستمر والغموض المقصود، ما يترك طهران أمام معادلة غير مستقرة، ويضع المنطقة كلها على هامش خطأ ضيق.
هذا التموضع لا يبقى نظرياً، بل ينعكس مباشرة على ساحات الإقليم، حيث يصبح أي تحرك من حزب الله أو من الفصائل المرتبطة بإيران جزءاً من معادلة الرد، لا تفصيلاً منفصلاً عنها. وفي المقابل، يمنح هذا الخطاب غطاءً سياسياً أوسع لأي تحرك إسرائيلي، في لحظة إقليمية تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية.
الخطاب الذي دخل التاريخ كالأطول، متجاوزاً الرقم القياسي الذي سجله بيل كلينتون، لم يقتصر على إيران. في الداخل، قدّم ترامب رواية متفائلة عن اقتصاد “يربح”، رغم الانقسام الحاد داخل الكونغرس، حيث طغت المقاطعات والتوتر على أجواء الجلسة. وفي امتداد للبعد الخارجي، أعلن أنه أنهى ثماني حروب منذ توليه السلطة، مشيراً إلى المواجهة بين إسرائيل وإيران، والحرب في غزة التي قال إنها شارفت على نهايتها، متحدثاً عن نجاح اتفاق وقف إطلاق النار في إعادة جميع الرهائن.
في المحصلة، لا يبدو الخطاب مجرد عرض سنوي، بل إعلاناً سياسياً عن مرحلة جديدة. إيران ليست تفصيلاً فيه، بل عنوانه العريض، فيما تبدو المنطقة أمام واقع مختلف: لا حرب معلنة، لكن كل شروطها باتت قائمة، ولا تسوية قريبة، بل إدارة دقيقة لحافة انفجار مفتوح.
