تشير المعطيات العسكرية الصادرة عن الولايات المتحدة ودول خليجية إلى تراجع حاد في وتيرة إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية منذ بداية الحرب الجارية، ما يعكس تأثير الضربات الجوية التي استهدفت منصات الإطلاق والبنية الصاروخية الإيرانية.
فقد أعلن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال دان كين، أن عدد الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران انخفض بنسبة 86% مقارنة باليوم الأول من القتال. وتنسجم هذه المعطيات مع تقارير حكومية خليجية تشير إلى تقلص ملحوظ في حجم الهجمات الصاروخية الإيرانية.
وفي هذا السياق، كشفت وزارة الدفاع الإماراتية أن إيران أطلقت 174 صاروخاً باليستياً على البلاد خلال الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، في حين لم تُسجَّل خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة سوى ثلاثة صواريخ فقط.
ضرب منصات الإطلاق… العامل الحاسم
ترى تقديرات عسكرية أن هذا التراجع يعود أساساً إلى الاستهداف المكثف لمنصات إطلاق الصواريخ ومستودعاتها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. فالحملة الجوية ركّزت بشكل خاص على المنصات المتنقلة والمنشآت تحت الأرض التي يُعتقد أن إيران تخزن فيها صواريخها الباليستية.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن الضربات المتواصلة أدت إلى تقليص قدرة إيران على إطلاق وابل صاروخي واسع كما كان يحدث في المواجهات السابقة.
وخلال الحرب الإيرانية–الإسرائيلية الأولى، كانت طهران تطلق عشرات الصواريخ دفعة واحدة في كل هجوم. أما في المواجهة الحالية، فقد لجأت إلى أسلوب الإطلاق الفردي، حيث يتم إطلاق صاروخ واحد في كل مرة بهدف استنزاف الجبهة الداخلية وإجبار ملايين المدنيين على دخول الملاجئ مراراً.
ويؤدي هذا الأسلوب إلى تفعيل صفارات الإنذار في مناطق واسعة حتى في حال سقوط الصاروخ في منطقة محددة، وذلك بسبب احتمال انتشار شظايا الاعتراض على نطاق كبير.
لماذا تصدر إنذارات دون سقوط صواريخ؟
يثير هذا الأسلوب سؤالاً لدى السكان في إسرائيل حول سبب إصدار إنذارات مبكرة في مناطق لا تتعرض في النهاية لأي سقوط صاروخي.
وتوضح مصادر عسكرية أن إسرائيل تصدر إنذاراً فور رصد إطلاق الصاروخ من إيران وفق سياسة إنذار مشددة. لكن عندما يقترب الصاروخ من المجال الجوي الإسرائيلي، يمكن تحديد المكان الدقيق المتوقع لسقوطه، وعندها يتم تفعيل صفارات الإنذار فقط في المناطق المهددة فعلياً.
هل تعوّض جبهة لبنان تراجع الصواريخ الإيرانية؟
في ظل التراجع الكبير في وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية، يبرز سؤال استراتيجي داخل الأوساط العسكرية: هل تحاول إيران تعويض هذا التراجع عبر جبهة لبنان؟
المعطيات الميدانية تشير إلى أن الهجمات القادمة من لبنان لم تتراجع، بل استمرت بوتيرة شبه متواصلة عبر إطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى بات جاه الجليل والجولان.
وعلى خلاف الصواريخ القادمة من إيران، فإن هذه الهجمات لا تمنح الجبهة الداخلية وقت إنذار طويل بسبب قصر المسافة بين مواقع الإطلاق والهدف.
ويرى محللون عسكريون أن إيران قد تلجأ إلى استخدام حزب الله كأداة تعويض عملياتية في حال تضررت قدرتها على إطلاق الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، إذ يمتلك الحزب ترسانة صاروخية كبيرة تشمل صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى وطائرات مسيّرة هجومية.
هل ما زالت إيران تملك «سلاحاً مفاجئاً»؟
رغم التراجع في وتيرة الإطلاق، تؤكد طهران أنها لم تستخدم بعد جميع أسلحتها المتطورة. وتشير التصريحات الإيرانية إلى احتمال استخدام الصواريخ فرط الصوتية التي تقول إنها تمتلكها، وأبرزها صاروخ «فتح-1».
وتزعم إيران أن هذا الصاروخ قادر على التحليق بسرعات تفوق سرعة الصوت عدة مرات، ويبلغ مداه نحو 1400 كيلومتر، ما قد يسمح له بتجاوز أنظمة الدفاع الجوي الأميركية والإسرائيلية.
إلا أن خبراء عسكريين في الولايات المتحدة وإسرائيل يشككون في صحة هذه الادعاءات.
فقد قال الأدميرال الأميركي السابق ويليام فالون، القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية، إن إيران «لديها تاريخ طويل في المبالغة بقدراتها العسكرية»، مضيفاً أنه يشك في امتلاكها عدداً كبيراً من الصواريخ فرط الصوتية الحقيقية، إن وجدت أصلاً.
كما أوضحت الباحثة بهنام بن طالبلو من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن الضربات الأميركية-الإسرائيلية تركز على تعطيل القدرة التشغيلية للصواريخ، وليس فقط تدمير الصواريخ نفسها، عبر استهداف منصات الإطلاق والبنية التحتية المرتبطة بها.
ترسانة كبيرة لكنها تحت الضغط
قبل اندلاع الحرب، قدّرت إسرائيل أن إيران تمتلك أكثر من 2000 صاروخ باليستي بعيد المدى، وكانت تخطط لرفع هذا الرقم إلى نحو 8000 صاروخ بحلول عام 2027 ضمن برنامج تسليحي واسع.
لكن التطورات الميدانية تشير الآن إلى أن الضربات الجوية المتواصلة بدأت تؤثر بعمق على قدرة إيران الصاروخية، ما يدفعها إلى تغيير تكتيكاتها والاعتماد على هجمات محدودة ومتفرقة بدلاً من الضربات الكثيفة.
