وجه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان رسالة اليوم الثلاثاء، لمناسبة حلول شهر رمضان، قال فيها: “أيها اللبنانيون، شهر رمضان هذا العام، ليس ككل الأعوام، بل ربما لم يشهد المواطنون اللبنانيون ضيقاً شديداً في معايشهم وتحركاتهم مثلما يشهدون هذه الأيام، سواء في رمضان وغير رمضان”.
وأضاف: “إنَّه زمان الانهيار الشامل في كل المجالات، يحل علينا شهر رمضان هذا العام، والبلاد والعباد في أزمات متراكمة، يختلط فيها الاقتصادي بالمالي والمعيشي والصحي والاجتماعي، ويلقي ذلك كله على عواتقنا نحن أهل الدين والإيمان، مسؤوليات خاصة، على اختلاف القدرات والأحوال”.
وتابع دريان: “أيها المسلمون، أيها اللبنانيون: ل دينا الكارثتان اللتان نعرفهما: الاحتلال والجرائم في الجنوب، وسقوط المباني، ومقتل الناس بطرابلس، والمباني الآيلة للسقوط في مناطق عدة من عاصمتنا بيروت”، لافتاً إلى أنه “في الجنوب اللبناني بلدات وقرى الشريط الحدودي مدمرة بالكامل وهجر أهلها، ويمنع العدو الصهيوني أهل هذه البلدات والقرى من إعادة بنائها والعودة إليها، حتى أن هذا العدو مازال يمعن بعدوانه رغم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، ونحن نناشد الدولة ممارسة ضغوطها الدولية لوقف العدوان الصهيوني المتمادي، تمهيداً لبناء ما هدمته الحرب، وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم”.
وقال: “أما مباني طرابلس المهدمة، والنفوس المهدورة فهي ذنبنا وحدنا، ومسؤوليتنا وحدنا. فسوء التقدير يتمثل بعدم الوعي، وعدم اتخاذ القرار . وأما سوء التدبير فالمقصود به مخالفة الحكمة التي تعني التبصر في العواقب، واتخاذ الإجراءات بمعالجة مشكلات السكان، والطلب منهم أن يغادروا، والقيام- مثلا بورشات عابرة – للإصلاح والحيلولة من دون الكوارث”.
وأضاف دريان :“رغم كل ما يقال ما روعي شيء من ذلك، وسقط ضحايا ولا من مغيث، ورغم هول الفظائع التي كانت وتكون؛ يبقى العقل الباحث عن الحلول الإنقاذية. لكن شيء من ذلك لم يحدث، فالفقر الذي ولد قلة الحيلة، وجد ضده، أي الغنى والاستغناء، الانفصال عن الواقع، والاستتار وراء هذا العذر أو ذاك”، قائلاً: “لا ينبغي الاستخفاف ولا تحميل المسؤولية للغير أو لعجز السكان وفقرهم ومسكنتهم وقلة حيلتهم”.
وشدد على أن “طرابلس بالذات، ومنذ زمن، تحتاج إلى يقظة وعناية ورعاية ومسؤولية، ومن سكان المدينة وجمعياتها كما من المسؤولين بالمدينة والدولة . فلا تنسوا أنه هلك من الطرابلسيين وجوارهم العشرات، والعشرات في البحار، وهم يحاولون الهرب من مدينة البؤس والتعب!”، مضيفاً: “الجميع ينتظر الآن كيف يتصرف المسؤولون، ويتصرف وجهاء الطرابلسيين، فنسأل الله سبحانه في شهر رمضان أن يهبهم البصر والبصيرة وصحة التقدير والتدبير”.
وأضاف دريان: “ولا بقوتنا التنبيه إلى المباني الآيلة والمهددة بالسقوط في مناطق عدة من عاصمتنا بيروت، وعلى الجهات المختصة القيام سريعا بمسؤلياتها وواجباتها حتى لا نقع بمآسي وكوارث “.
واستطرد: “أيها الإخوة المواطنون: لقد استبشرنا خيرا بإنهاء الفراغ في سدة الرئاسة الأولى وبخطاب القسم ومضامينه، وبتشكيل حكومة العهد الأولى وبيانها الوزاري، واللبنانيون يأملون أن يعيشوا هم وأبناؤهم في وطن بأمان وسلام واستقرار، وتتحقق فيه العدالة والأنصاف والتواق بين جميع مكوناته، ومراعاة التوازن المطلوب في كل مؤسسات الدولة ، حتى لا يشعر أي مكون أنه مغبون أو مهمش”.
وقال دريان: “نحن وجميع اللبنانيين نتطلع إلى وطننا لنعيش فيه، تسوده العدالة والإنصاف والرحمة والإنسانية، يسمع قيه كل حريص على كرامة الإنسان، صرخات أهالي السجناء والموقوفين ظلما وافتراء، وبالأخص الإسلاميين ويطالبون بإقرار قانون العفو العام الشامل بحق هؤلاء الذين ظلموا باتهامات ومحاكمات وأحكام جائرة”، مؤكداً أنه “لقد آن الأوان لرفع الظلم وتحقيق العدالة، وستبقى هذه القضية (قضية عدالة) ،وستبقى دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية مؤتمنة عليها”.
وأضاف “أيها المسلمون، أيها الإخوة المواطنون: رغم كثرة المصائب الناجمة عن ضآلة العزيمة، والإحجام عن تحمل المسؤولية، فالذي نرجوه أن يكون شهر رمضان– كما كان من أقدم العصور– باعثاً على الكرم والخير وعلو الهمة، وصنع الجديد والجليل والمتقدم”، مشيراً إلى أن “الظروف الصعبة تقتضي منا التضامن والعمل بالمعروف. نحن ننتظر مئات الملايين من الدولارات وأكثر للمنكوبين في طرابلس، ونتوقع زكوات وتبرعات لصناديق الزكاة ولمشروعات الخير والبر، وبيوت العجزة والأيتام والمعوقين، والمستشفيات المجانية والمستوصفات، لن يتركنا إخواننا وأشقاؤنا، وسنظل في ركب الخير والعطاء الذي تعودناه في رمضان وغير رمضان. نحن اللبنانيين لا نتنادى بالدين والأخلاق وحسب ، بل نتنادى بالمروؤة والوطنية”.
وشدد دريان على أن “لبنان يحتاج إلى كل أبنائه. حل زمان الدولة منذ عقود، لكن الآن هو زمن التحقق ، ولدينا إحساس قوي بأن أهل الدولة، اليوم، على قدر المسؤولية رغم تكاتف الصعاب”.