في طرابلس، لم تعد أزمة الأبنية المهدّدة بالسقوط خبراً طارئاً ولا حادثاً استثنائياً، بل واقعاً مزمناً يتكرّر مع كل انهيار جديد. مدينة تعرف حجم الخطر منذ سنوات، تُحصي مبانيها المتصدعة، وتُعدّ تقاريرها، ثم تتركها معلّقة بانتظار الكارثة التالية. المشكلة معروفة، والأرقام واضحة، لكن الاستجابة لا تزال أدنى بكثير من مستوى الخطر، وكأن الانهيار بات جزءاً مقبولاً من المشهد العام.
التقديرات البلدية والتقارير الإعلامية تشير إلى وجود نحو أربعة آلاف مبنى في طرابلس مصنّفة بين متضرّرة وخطرة، من بينها قرابة ألف مبنى يُفترض إخلاؤها أو تدعيمها فوراً. هذا الرقم وحده كافٍ لإعلان حال طوارئ دائمة في أي مدينة طبيعية. لكن في طرابلس، بقيت ا لمعالجة مجتزأة، وردّ الفعل متأخراً، وغالباً ما يأتي بعد سقوط الضحايا لا قبلهم.
خلال السنوات الخمس الأخيرة فقط، سُجّلت ثلاث حوادث انهيار رئيسية لمبانٍ سكنية في أحياء مكتظّة، أبرزها في باب التبانة والقبة، وأسفرت عن مقتل نحو خمسة عشر شخصاً، بينهم أطفال، إضافة إلى جرحى ومشرّدين. هذه ليست أرقاماً عابرة، بل دليل قاطع على أن الخطر لم يعد نظرياً ولا محتملاً، بل واقعاً قاتلاً يتقدّم بصمت.
ومع ذلك، ماذا فُعِل؟ قرارات إخلاء محدودة، اجتماعات رسمية بعد كل فاجعة، ووعود متكرّرة بمسح هندسي شامل وتحديث لوائح الأبنية المهدّدة. طُرحت فكرة صندوق لترميم نحو مئة مبنى كمرحلة أولى، في مدينة تحتاج إلى معالجة آلاف الأبنية. خطوات جزئية وبطيئة، لم تتحوّل يوماً إلى سياسة عامة شاملة، ولم تقترب فعلياً من حجم الكارثة.
المشكلة ليست في غياب المعرفة، بل في غياب القرار والتمويل والتنفيذ. لا مسح هندسياً ملزماً ومحدّثاً يشمل كل الأحياء، ولا آلية تمويل واضحة لترميم الأبنية، ولا بدائل سكنية مستدامة عند الإخلاء، ولا تطبيق جدّي للقوانين والرقابة. كل شيء معروف، وكل شيء مؤجَّل.
لكن الأخطر من الإهمال التقني هو الإهمال السياسي المتعمّد. فطرابلس لا تستدعي اهتمام السلطة إلا عندما تقترب الاستحقاقات ا لانتخابية. عندها فقط، تتحوّل الأحياء المنسية إلى محطات زيارات، وتُستعاد لغة الوعود والتنمية، وتُضخ المساعدات الموسمية، قبل أن تعود المدينة سريعاً إلى الإهمال نفسه بعد إقفال صناديق الاقتراع.
الفقر هنا لم يعد مأساة تسعى السلطة إلى معالجتها، بل أداة تُدار وتُستثمر. فكلما ازداد الفقر، رخص ثمن الصوت الانتخابي، وسهل شراؤه بالفتات، وبوعود لا تعيش أكثر من موسم. لا خطط إنقاذ فعلية، ولا مشاريع تنمية مستدامة، بل إدارة مدروسة للحرمان.
وفي هذا السياق، فإن اختزال طرابلس بمدينة فقراء فقط هو تزوير متعمّد للواقع. طرابلس تضم فقراء كثراً، نعم، لكنها تضم أيضاً أثرياء، وأصحاب رساميل، ونفوذاً اقتصادياً واجتماعياً واسعاً، وجميعهم يملكون طموحات سياسية واجتماعية. غير أن المعادلة القائمة تقوم على تفكيك المدينة: فقراء يُراد لهم أن يزدادوا فقراً كي يظلّ الصوت الانتخابي رخيصاً، وأثرياء يستفيدون من هذا الواقع ويستثمرونه، ومدينة تُترك معلّقة بين الانهيار والخطاب.
هكذا، لا تُدار طرابلس كمدينة لها حق بالحياة الآمنة والتنمية، بل كخزان أصوات يُستدعى عند الحاجة ويُعاد إقفاله حتى الاستحقاق التالي. وبين انهيار مبنى وانهيار ثقة، تستمر اللعبة نفسها، فيما يدفع السكان ثمن الإهمال مرّةً بأصواتهم، ومرّةً بأرواحهم.
في طرابلس، كل مبنى ينهار ليس حادثاً عرضياً، بل اتهاماً مباشراً. وكل تأخير إضافي ليس عجزاً، بل قراراً. والنتيجة معروفة سلفاً: مدينة تُترك لتنهار، لأن الفقر فيها صار سياسة، والانهيار صار جزءاً من المعادلة.