كان من المفترض أن تُبشّر مواقع البناء الضخمة المحيطة بـالرياض بمستقبلٍ مشرق للمملكة العربية السعودية، في إطار رؤية ولي العهد محمد بن سلمان الطموحة “رؤية 2030”، التي تهدف إلى تحويل المملكة من قوة نفطية كبرى إلى مركز عالمي للتجارة والتكنولوجيا والثقافة. غير أن هذه الطموحات، التي تضمنت وعودًا باستثمارات تصل إلى تريليون دولار في الولايات المتحدة خلال زيارة إلى البيت الأبيض في نوفمبر الماضي، بدأت تصطدم بواقع اقتصادي وأمني معقّد.
وبحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، تواجه هذه المشاريع تحديات متزايدة نتيجة العجز المالي، والتقديرات المفرطة في التفاؤل، فضلًا عن تداعيات الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى تراجع صادرات النفط السعودية إلى النصف، في وقت تسببت فيه هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ بأضرار كبيرة لصورة المملكة كوجهة آمنة للاستثمار. وقد انعكس ذلك مباشرة على الأنشطة الاقتصادية، حيث أُلغيت فعاليات كبرى مثل سباقات الفورمولا 1، وأوقفت فيرجن أتلانتيك رحلاتها اليومية إلى العاصمة، فيما لجأت شركات أميركية عدة إلى اعتماد العمل عن بُعد لموظفيها في الرياض. وتشير تقديرات إلى أن كلفة الحرب على المملكة تجاوزت 10 مليارات دولار حتى الآن.
في موازاة ذلك، تخضع معظم المشاريع العملاقة في المملكة لإعادة تقييم. ففي مشروع نيوم، الذي كان يُفترض أن يضم مدينة مستقبلية تمتد على 170 كيلومترًا، تراجع التنفيذ بشكل ملحوظ، مع إلغاء مشروع منتجع التزلج الفاخر وتجميد مشروع “سندالة”، وسط خسائر لوجستية ومادية لافتة. كما توقفت أعمال مشروع “المكعب” في الرياض، الذي كان مخططًا له أن يضم عشرات الأبنية الضخمة.
اقتصاديًا، اضطر صندوق الاستثمارات العامة إلى تقليص استثماراته وبيع جزء من أصوله في الأسهم الأميركية. ولم تتجاوز الاستثمارات الأجنبية في المملكة 35.5 مليار دولار في عام 2025، وهو رقم بعيد عن الهدف المعلن البالغ 100 مليار دولار سنويًا. في المقابل، ارتفع الدين العام إلى نحو 400 مليار دولار، ما يعادل 32% من الناتج المحلي الإجمالي.
وكان وزير المالية السعودي قد أقر مؤخرًا بإمكانية تأجيل أو إلغاء بعض المشاريع “دون تردد” إذا اقتضت الضرورة، في إشارة إلى تحوّل واضح في إدارة الأولويات الاقتصادية.
ورغم تسجيل بعض النجاحات، مثل تشغيل شبكة القطار الخفيف في الرياض وتوسيع مشاركة المرأة في سوق العمل، إلا أن التحديات المتراكمة تضع القيادة السعودية أمام معادلة دقيقة. فحتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، يخشى المسؤولون م ن استمرار حالة عدم اليقين، وتراجع ثقة المستثمرين، واضطرار المملكة إلى توجيه موارد ضخمة نحو الأمن والدفاع بدل الاستثمار في مشاريعها المستقبلية.
