في تحقيق نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية اليوم الأربعاء شهادات من الميدان الايراني عن القمع المرعب الذي شهدته التظاهرات الاحتجاجية التي انطلقت في الثامن والعشرين من كانون الاول الماضي.
استندت خلاصات التحقيق الى شهادات لأشخاص تمّ التواصل معهم في ايران او في الخارج بعدما تركوا بلادهم.
وفي ملخص للتحقيق يتضح الآتي:
تشهد إيران منذ أواخر كانون الأول 2025 واحدة من أعنف موجات الاحتجاج في تاريخها الحديث، بدأت شرارتها بانهيار الريال الإيراني وارتفاع أسعار الدولار بشكل جنوني، ما فاقم الأزمة الاقتصادية وأشعل غضب الشارع. هذه الأزمة لم تعد مجرد مسألة معيشية، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة بين الشعب والنظام، في ظل شعارات غير مسبوقة تطالب برحيل المرشد الأعلى علي خامنئي.
أسباب الانفجار الشعبي
الاحتجاجات اندلعت على خلفية انهيار العملة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، لكن جذورها أعمق بكثير. وتكشف شهادات من الداخل عن اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتآكل الطبقة الوسطى التي تزداد فقراً يوماً بعد يوم. تقول باريسا، إحدى الشاهدات، إن الأسعار صدمت الإيرانيين، وإن الفارق بين الطبقات أصبح «هائلاً وغير محتمل».
جيل لا يعرف الخوف
الشباب كانوا في طليعة الحراك، معتبرين أن التغيير مسألة حياة أو موت. حتى دعوة رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران والمنفي في الولايات المتحدة، وجدت صدى لدى بعضهم، في مؤشر على اليأس من النخب السياسية الحالية. «لا وقت لدينا للتفاصيل، رضا بهلوي ربما يخلصنا من الجمهورية الإسلامية»، هكذا رد أبناء عم باريسا( شاهدة) عندما حاولت ثنيهم عن التظاهر بناء على دعوته..
قمع غير مسبوق
رد النظام كان وحشياً. تقارير حقوقية تشير إلى مقتل أكثر من 2,500 شخص خلال أيام قليلة، بينهم أطفال، مع مشاهد مروعة لجثث مكدسة في المشارح والمقابر. كياراش، أحد الشهود، تحدث عن عنابر ضخمة في مقبرة «بهشت زهرا» تحتوي على آلاف الجثث، وعن مشاهد لأمهات يصرخن فوق جثث أبنائهن.
مدينة تحت الرعب
الوصف الذي نقلته باريسا عن طهران بعد القمع الدموي يوحي بمشهد كارثي: قوات أمن بملابس مدنية وأقنعة، مسلحون بالكلاشينكوف، إطلاق نار في الهواء، وحاويات محترقة. تقول: «كان الضجيج المستمر للرشاشات يملؤني بالذعر». في تلك الليلة، فقد أبناء عمها صديقين قتلا أثناء محاولة اقتحام مركز للشرطة، فيما سادت أجواء أشبه بنهاية العالم.
سؤال عن ترامب
انقطاع الإنترنت منذ 8 كانون الثاني كان محاولة لعزل الداخل عن الخارج، لكن الإيرانيين ظلوا يترقبون موقف الولايات المتحدة. حتى أن أخت باريسا سألتها في مكالمة: «هل سيضرب ترامب النظام الإيراني كما وعد؟». باريسا نفسها ندمت على مغادرة إيران، قائلة: «عدت بجسدي، لكن قلبي بقي هناك».
مقتطفات من تحقيق “لوموند”
لم يستطع كياراش النوم سوى بضع ساعات منذ يوم السبت 10 يناير. لا يزال صوت سقوط ثلاثة أجساد من حوله أثناء مظاهرة في طهران يتردد في رأسه. يقول: «كنت في ساحة كادج [شمال غرب]. كنا نهتف: “الموت لـ[علي] خامنئي”. رأيت امرأة ترتدي الشادور تمرّ بجانبي. ثم سمعت صوتًا مكتومًا: “تك. تك.” سقط رجل أرضًا بجانبي. تقدمت المرأة بالشادور، ورأيت مسدسها مزودًا بكاتم صوت. تك. تك. رصاصة في الرأس، وأخرى في الساقين. سقط جسد ثانٍ، ثم ثالث. صرخت: “أمسكوها! إنها تطلق النار على الناس!” لا أعرف إن كانت فعلًا امرأة أم رجلًا متنكرًا تحت الشادور. ركضت واختفت وسط الحشود».
كياراش (يفضّل عدم ذكر اسم عائلته) كان في إيران خلال موجة الاحتجاج الأخيرة. عاد إلى أوروبا يوم الأحد 11 كانون الثاني، شاهد بنفسه الكثير من الجثث في مقبرة طهران الكبرى «بهشت زهرا» جنوب المدينة. قبل ساعات من مشاركته في مظاهرة 10 كانون الثاني، ذهب إلى هناك للمساعدة في التعرف على جثة صديقة شقيقة زوجته، التي قتلت بالرصاص في اليوم السابق. قال: «اكتبوا اسمها: نسيم بوراغايي، 41 عامًا، أم لطفلة وصبي». يوم الجمعة 9 كانون الثاني، خرجت نسيم وزوجها إلى الشارع في حي بونك غرب طهران. كانا يسيران جنبًا إلى جنب، وفجأة جثت نسيم على ركبتيها. «ظننت أنها أصيبت بهبوط ضغط، لكن عندما نظرت إليها كانت غارقة في الدم»، روى زوجها لكياراش.
في عنابر المقبرة الكبيرة، كانت الجثث ملفوفة في أكياس موتى. مع زوج نسيم، بحث كياراش وستة أشخاص آخرين عن اسم الأم على البطاقات المثبتة بالأكياس. «كان هناك طبقتان أو ثلاث من الجثث مكدسة فوق بعضها في العنابر. كانت العنابر ضخمة لدرجة أن كل واحد منها يمكن أن يحتوي أكثر من ألف جثة… على الأقل ألف. أقول لكم هذا ويعتصر قلبي ألمًا»، يهمس كياراش. خلف العنابر، واصلت الشاحنات الوصول لتفريغ جثث جديدة. كان الأقارب المصدومون يصرخون بأعلى صوتهم: «يسقط خامنئي!» داخل العنابر، كانت العائلات تزيح الجثث العلوية للوصول إلى السفلية. رأى كياراش أمًا تستلقي على جثة طفلها وهي تصرخ: «لا تلمسوه!» ويضيف: «بين الجثث، كان هناك الكثير من الأطفال. الكثير جدًا».
شهادات أخرى جمعتها صحيفة «لوموند» تكشف عن وجود مئات الجثث في مشرحة كهريزاك، الواقعة أيضًا في جنوب طهران. وقد أُرسلت جثث المتظاهرين القتلى للتعرف عليها إما إلى «بهشت زهرا» أو إلى «كهريزاك». في «بهشت زهرا»، استغرق الأمر من كياراش والأشخاص السبعة الآخرين ثلاث ساعات للعثور على جثة نسيم بوراغايي.
باريسا (اسم مستعار) غادرت إيران في 11 كانون الثاني متجهة إلى أوروبا. في 28 كانون الأول 2025، يوم بدء المظاهرات، كانت باريسا في مجمع «بايتخت» التجاري شمال طهران، الذي يضم بائعي الهواتف وأجهزة الكمبيوتر. هذه السيدة الثلاثينية شاهدت التجار يغلقون المحلات لينزلوا إلى الشارع للتظاهر. تقول: «كانت الشرارة هي انهيار الريال. لم يفهم أحد لماذا كان الدولار يواصل الارتفاع. أزور إيران كثيرًا، لكن هذه المرة صدمت من الأسعار ومن الهوة الكبيرة بين الأغنياء من جهة، وبين الطبقة الوسطى والفقراء من جهة أخرى، الذين يزدادون فقرًا كل يوم».
ابتداءً من 8 كانون الأوّل، وبعد دعوة رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران والمنفي في الولايات المتحدة، خرج ابنا عمها، في العشرينات من العمر، للتظاهر. تقول: «عندما كنت أقول لهما: “رضا بهلوي لم تطأ قدماه إيران منذ زمن طويل، ولا يعرف شيئًا عنها”، كانا يردان: “أنتِ تعيشين في أو روبا وتأتين لتنفقِي اليورو هنا. بالنسبة لنا، هذه مسألة حياة أو موت. لا وقت لدينا لتفاصيلك. ربما يستطيع رضا بهلوي أن يخلصنا من الجمهورية الإسلامية.”»
