أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن لبنان يريد فتح صفحة جديدة في علاقاته مع إيران، تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الدول، مشدداً في الوقت نفسه على أن «ضمانته الأساسية هي الدولة»، وأن لبنان لا يستطيع البقاء في انتظار أي تسوية إقليمية أو أميركية ـ إيرانية.
وقال سلام، في مقابلة مع محطة NBN، إن الرئيس الإيراني هو من طلب اللقاء معه، وإنه لبّى الدعوة فوراً، مشيراً إلى أنه طلب بدوره لقاءات مع رؤساء ومسؤولين آخرين، والتقى عدداً كبيراً من الدول التي يهم لبنان الحصول على دعمها.
وأوضح: «نحن نريد أن نفتح صفحة جديدة في العلاقات بين لبنان وإيران، تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون بعضنا البعض. نحن لا نتدخل في شؤون إيران. هل رأيتم يوماً لبنان يدعم فصيلاً معارضاً في إيران، أو ينحاز إلى طرف في مواجهة طرف آخر، أو يتدخل في الخيارات السياسية للإيرانيين؟ بالتأكيد لا. نريد أن تقوم العلاقة على الأساس نفسه: احترام متبادل لسيادة الدول، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وبناء العلاقات على المصالح المشتركة».
وفي ما يتعلق بالتمثيل الدبلوماسي الإيراني في لبنان، قال سلام إن هناك تاريخاً طويلاً من العلاقات بين البلدين، مضيفاً: «نحن نريد فتح صفحة جديدة فيها». وأشار إلى أن لبنان يفضّل أن تعيّن إيران سفيراً جديداً لها، «لأن ذلك يسهّل الانتقال إلى مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين».
وأوضح أن إقامة السفير الإيراني جُددت لمدة ثلاثة أشهر بصفته مواطناً، وليس بصفته الدبلوماسية السابقة، مؤكداً: «نريد تعيين سفير جديد إذا كنا نريد بالفعل الانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، وأنا حريص على الانتقال إلى هذه المرحلة».
سلامة المطار أولاً
وعن موضوع الطيران الإيراني، قال سلام إن المسألة «مختلفة، لأنها مرتبطة بأمور تتعلق بسلامة المطار»، مؤكداً: «سلامة المطار والمسافرين بالنسبة إليّ هي الأولوية، ونتمنى تفهّم هذا الأمر».
وفي الشأن الإقليمي، رفض سلام أن يبقى لبنا ن في موقع الانتظار إلى حين التوصل إلى تسوية أميركية ـ إيرانية، قائلاً: «أنا لا أقول إننا جزيرة في المتوسط، نحن بالتأكيد نتأثر بكل المتغيرات الإقليمية».
وأضاف: «تحدثت في هذا الأمر مع رئيس الوزراء الباكستاني وغيره من المسؤولين، لكنني لا أستطيع أن أبقى جالساً في انتظار تسوية أميركية ـ إيرانية. إذا حصلت، فهذا جيد. وإذا لم تحصل، هل نبقى نحن جالسين ننتظر؟».
وشدد على أن الدولة اللبنانية «لا تستطيع أن تبقى في حالة انتظار»، وأن عليها أن تتوجه إلى الجنوب وجميع المناطق وأن تتحمل مسؤولياتها، مؤكداً في الوقت نفسه استمرار المطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتثبيت وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل والإفراج عن الأسرى.
الجنوب: أريد أن يرى الناس نتائج على الأرض
وفي ما يتعلق بالوضع في الجنوب وتأمين الخدمات، قال سلام إنه يريد، عند عودته للمرة الرابعة إلى النبطية وصور، أن يتأكد «بالعين المجردة» من عودة المياه والكهرباء، وتنفيذ التلزيمات التي أُطلقت، وترميم المدارس، وعودة الأهالي وشعورهم بالأمان.
وقال: «بالتأكيد، من حق الناس أن تشتكي. ما نستطيع تأمينه لا يكفي أمام حجم حاجاتهم. لكن هذه هي إمكاناتنا الحالية».
ورداً على ما يُثار بشأن استهداف بيئة معينة، قال سلام: «لو كنت أريد الاقتصاص من بيئة معينة، لما كنت شخصياً أتابع كل يوم هذه العمليات والاستجابة للمطالب».
وأشار إلى أنه يحب رمزية عقد جلسة لمجلس الوزراء في النبطية أو صور، لكنه لا يريد القيام بذلك «لكي لا تبدو المسألة فولكلورية أو رمزية فقط»، مضيفاً: «أريد أولاً أن تكون هناك متغيرات حقيقية يستطيع الناس لمسها على الأرض، وأن يكون لدينا شيء فعلي نقدمه، وأن نذهب إلى هناك بنتائج».
ارتفاع الأسعار والرقابة على الأسواق
وعن ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان، عزا سلام ذلك إلى ارتفاع الأسعار عالمياً، مؤكداً أن الزيادة «لم تحصل لأن الدولة فرضت ضريبة جديدة عليها»، لكنه شدد على أن ذلك لا يلغي معاناة المواطنين.
وقال إن الحكومة رفعت في الأسابيع الماضية رواتب القطاع العام، وأقرت مجموعة جديدة من المساعدات ضمن الإمكانات المتاحة، مضيفاً: «إمكاناتنا قليلة، وكل ليرة نستطيع صرفها يجب أن تذهب إلى حاجات الناس».
وشدد على مسؤولية الدولة في الرقابة، قائلاً: «لا يجوز أن ترتفع كلفة سلعة بنسبة معينة، ثم يأتي متجر أو تاجر ويرفع سعرها ضعفين أو ثلاثة مستفيداً من حاجة الناس».
وطالب وزارة الاقتصاد وأجهزة حماية المستهلك بالقيام بدورها، موضحاً: «إذا ارتفع السعر عالمياً، فليُعكس الارتفاع الحقيقي على السعر. أما أن يستغل البعض حاجة الناس لزيادة أرباحهم بصورة غير متناسبة، فهذا غير مقبول إطلاقاً».
لا تعديل حكومياً
ونفى سلام وجود تعديل حكومي مطروح، قائلاً: «نحن لا نريد تنفيساً، بل نريد حلولاً. ليست مهمتنا أن ننفّس هنا أو هناك، بل أن نعالج المشكلات».
وأضاف: «لا أعتقد أن تغيير الحكومة هو الذي يقدم الحلول. المشكلة الأساسية هي محدودية الإمكانات المتاحة لنا، وليست عدم قدرتنا أو عدم رغبتنا في العمل».
وأشار إلى أن مشروع الموازنة المحال إلى مجلس النواب «لا يتضمن ضرائب جديدة»، لافتاً إلى وجود بعض الرسوم المحدودة، ومنها الرسوم المتعلقة بالطائرات الخاصة واليخوت، إضافة إلى تعديل بعض الرسوم القديمة بما يتلاءم مع سعر الصرف الحالي.
«ضمانتي هي الدولة»
وأكد سلام أن «ضمانتنا الأساسية هي أن نلتف حول الدولة، وأن نعزز وحدتنا الداخلية، وأن نعمل على تلبية حاجات الناس، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، واستعادة سيادتنا، وبسط سلطة الدولة».
وشدد على أن الحوار مع مختلف الأطراف «ليس مقطوعاً»، قائلاً: «هناك أمور اتفقنا عليها، والمطلوب اليوم هو تنفيذها. الوحدة الوطنية تتجسد بتنفيذ ما اتفقنا عليه. لا نحتاج إلى أن نبدأ من الصفر في كل مرة. المطلوب أن يلتزم كل طرف بما تعهد به».
وأضاف: «لا أحد اليوم لديه استعداد للدخول في مغامرة جديدة أو حرب جديدة. لقد عانينا جميعاً، ونحن نتحمل الأعباء معاً».
وختم بالقول: «كيف نعزز وحدتنا الداخلية؟ بأن نلتف حول الدولة. هذه هي ضمانتنا الوحيدة. ضمانتي هي الدولة».
ووجّه سلام رسالة إلى أهالي الجنوب قائلاً: «أنتم لستم وحدكم. الدولة معكم، وإلى جانبكم، وفي خدمتكم»، مؤكداً أن ما حاولت الحكومة تأكيده من النبطية هو حضور أجهزتها الأمنية ومؤسساتها وخدماتها.
وقال: «لا أريد لأي مواطن، سواء كان في الجنوب أو في عكار أو في البقاع، أن يشعر بأن الدولة تهمله أو تتغاضى عن مطالبه. الدولة يجب أن تكون إلى جانب جميع أبنائها».