رحلت تمار بن عامي، المعروفة باسم “ريتا” في قصائد محمود درويش، بعد صراع مع المرض، لتُطوى صفحة واحدة من أكثر قصص الحب إثارة للجدل في الأدب العربي الحديث.
كتب درويش قصيدته “ريتا والبندقية” عام 1967 ضمن ديوان “آخر الليل”، خلال إقامته في أراضي 48. وكان قد هُجّر عام 1948 من قريته البروة إلى لبنان، قبل أن يعود مع عائلته ليستقر قرب عكا، ويبرز اسمه بين شعراء الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح).
ارتبطت “ريتا” بما وُصف بأنه “حب أول” لفتاة يهودية. وساهم تلحين وغناء مارسيل خليفة للقصيدة في انتشارها عربياً، إلى جانب “أحنّ إلى خبز أمي”. واعتبر إلياس خوري أن درويش حوّل ريتا إلى رمز أسطوري في الشعر، فيما لاحق القراء والنقاد هويتها بين من قال إنها شخصية حقيقية ومن رأى أنها اسم فني.
تضاربت تصريحات درويش؛ فمرة قال إنها اسم فني، ومرة أقرّ بأنها شخصية حقيقية. وأوضح أن العلاقة تعقّدت بعد حرب 1967 حين التحقت بالخدمة العسكرية الإسرائيلية، معتبراً أن الحرب “دخلت بين الجسدين”. وكتب في “يوميات الحزن العادي” عن صدمته من احتمال أن تكون ضمن القوات التي تقمع الفلسطينيين.
تعددت الروايات حول هويتها؛ فقيل إنها ريتا باهي، أستاذة أدب عبري في جامعة تل أبيب، فيما ذكر عماد الطراونة في كتابه “حكاية محمود درويش في أرض الكلام” أنها تانيا رينهارت، الأكاديمية المولودة في حيفا عام 1943، والتي درست عند نعوم تشومسكي وعُرف ت بمواقفها المؤيدة للفلسطينيين، وتوفيت عام 2007 في نيويورك. غير أن الشاعر سميح القاسم نفى أن تكون شخصية محورية في حياته.
حُسم الجدل نسبياً عام 2014 مع عرض الفيلم الوثائقي “سجل أنا عربي” للمخرجة ابتسام مراعنة، حيث ظهرت تمار بن عامي، الراقصة والمغنية الإسرائيلية المولودة في حيفا لأبوين مهاجرين من روسيا وبولندا. روت قصة حب بدأت عام 1965 حين تعارفا في نشاطات الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وانتهت بعد استدعائها للخدمة في سلاح البحرية عقب حرب 1967.
تحدث الفيلم عن توتر مزدوج في حياة درويش بين الرومانسية ورمزية المقاومة، وتناول أيضاً علاقته بابنة شقيق نزار قباني الدبلوماسي صباح قباني. وكشفت تمار أنها احتفظت بسر العلاقة نحو خمسين عاماً، وأن درويش ظل يظهر لها في المنام، وأنها تخيلت إنجاب طفل منه.
عرض الفيلم رسائل حب كتبها درويش لها. وبعد انقطاع طويل، التقيا في باريس أواخر الثمانينات، في لقاء متوتر تخلله اتصال من ياسر عرفات. كما دافعت تمار عنه علناً حين تعرّض لهجوم إسرائيلي واسع بعد قصيدته “أيها المارون بين الكلمات العابرة”، مؤكدة أنه لم يكن معادياً لليهود بل مؤمناً بالتعايش، ما دفعه للاتصال بها وشكرها ودعوتها إلى باريس.
لبّت الدعوة عام 1989، لكنها واجهت لقاءً بارداً وانتهى سريع اً. وفي اليوم التالي لم يفتح لها الباب، وأبلغها هاتفياً بعدم قدرته على الاستمرار، قائلاً: “أنت لست حبيبتي”. أرسلت له رسالة أخيرة تطلب لقاءً لساعة واحدة بعد 25 عاماً من الفراق، لكن اللقاء لم يتم، لتبقى تلك اللحظة المشهد الأخير في قصة حب وُصفت بالمستحيلة.
رحيل تمار أعاد النقاش حول العلاقة التي أربكت صورة درويش لدى بعض محبيه الذين رأوه رمزاً وطنياً لا شاعراً عاشقاً فقط، فيما ظلّت “ريتا” اسماً يتردد في شعره كأحد أكثر رموزه غموضاً وتأثيراً.
