"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

رفعت الأسد/ رجل عاش ومات تحت ظل اللعنات

نيوزاليست
الأحد، 1 فبراير 2026

رفعت الأسد/ رجل عاش ومات تحت ظل اللعنات

سامح المحاريق- نقطة واول السطر

يتجاهل محررو موقع الويكيبديا استحداث صفحة خاصة بالسيدة (ناعسة شاليش) والدة الرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت، مع أن السيدة التي تدور حولها كثير من الروايات التي ترتقي لمرتبة الأساطير أسهمت في صياغة تاريخ سوريا والمنطقة العربية أكثر من آلاف الشخصيات الذين تمتلئ بهم صفحات الموسوعة المفتوحة.

الأسطورة ليست الحكاية الجميلة دائمًا، فالأساطير الإغريقية مزدحمة بالصغائر والخيانات التي كانت تقترفها الآلهة بصورة نهمة ومنفلتة، وعائلة الأسد بشكل أو بآخر كانت تسكن في أوليمب خاص ليس أقل شهوةً في استهلاك التراجيديا ذاتيًا بطريقة مشابهة لتلك التي حكمت زيوس وسلالته من الآلهة وأنصاف الآلهة، ولكنه، كان ينتجها أيضًا كواحدة من مظاهر عمومية العدالة النادرة في سوريا.

هل تَدين النساء صاحبات العيون (الحلوة) في باب توما كما وصفهن محمد الماغوط بشيء للسيدة شاليش؟ ربما جميع سكان دمشق الذين تجاوز تعدادهم في 1984 المليون ونصف المليون نفسًا يشتركون في دَيْن كبير لهذه السيدة ليس لأن أعمالها الخيرية شملتهم، أو ربتت على أكتافهم، أو وضعت لقمة صغيرة في أفواه أولادهم، لا، لم يكن الأمر على هذه الشاكلة، فهذه السيدة الريفية المتواضعة فعلت أكثر من ذلك، وأنقذت المدينة كلها من الوقوع في حمام من الدم كان يمكن أن يأتي على مئات الآلاف من سكانها.

هذه ليست مبالغة، فالرئيس حافظ وشقيقه الأصغر رفعت أثبتا للعالم أن اللون الأحمر لا يختلف عن أي لون آخر بالنسبة لهما، وأن أربعين ألف ضحية كانت نِصابًا مناسبًا للمحافظة على سلطتهما في حماة 1982، ولكن الوضع في دمشق كان معقدًا وحرجًا، لأن سرايا الدفاع كانت مثل رخٍ عظيم يتأهب لالتهام المدينة، والخصم هذه المرة هو الشقيق الأصغر، الأصغر بين أبناء علي سليمان وزوجتيه، وبين أبناء الزوجة الثانية ناعسة.

عانى من عقدة الأخ الاكبر “حافظ” الذي أتى في توقيت أكثر مواءمة… فرفعت الصغير المدلل، والذي يمتلك حظًا أكبر من الوسامة لكنه بقي ظلًا لشقيقه

لم يستغرق حافظ الأسد في عقدة أوديب، فوالده كان رجلًا هامشيًا وبسيطًا شأن كثيرين من أبناء الساحل السوري الفقير والمنسي وحتى المشتبه فيه لأنه كان مدخلًا للغزاة في فترات طويلة من الزمن، ولا توجد كثير من الوثائق يمكن أن تتحدث عن المرحلة التكوينية للرئيس السوري السابق، وكل ما يمكن أنه كتب في فترة لاحقة وقع متأثرًا تحت سطوة اليد الثقيلة للرئيس وأجهزته وحاشيته، أما رفعت فكان يختص بشيء آخر، وهي عقدةٌ ليست موجهة للأب، العقدة كانت الأخ الأكبر الذي أتى في توقيت أكثر مواءمة لدرجة يمكن أن يوصف معها بالرجل الذي أتى في موعده مع الزمن.

سبق حافظ شقيقه الأصغر رفعت المولود في 1937 إلى الجيش قابضًا على فرصة للارتقاء تكاد تكون الوحيدة لأمثاله من أبناء القرداحة، وهو الأمر الذي أتاح له أن يكون بين الضباط الذين عايشوا أزمة الوحدة مع مصر، والأزمات الثانوية التي أنتجها الانفصال، أما رفعت فأتى متأخرًا نسبيًا، وبقي ظلًا لشقيقه.

رفعت الصغير المدلل، والذي يمتلك حظًا من الوسامة والتناسق الذي يفتقد لهما الشقيق الكبير، كان محكومًا بأن يبقى في موقع متقدم من الصورة ولكن ليس الموقع الأكثر إضاءة، ففي داخله كان يعرف أنه لم يكن شيئًا مذكورًا من غير شقيقه الأكبر، وهذه الوضعية محرجة نفسيًا لأي شخص مهما بلغت معرفته بنفسه، إلا أنها أصبحت بالغة الحرج مع رفعت المسكون بوهم تفوقه في الكاريزما الذي تغذى على مداهنة الأفواج الكثيرة التي تتهافت للتقرب والتزلف منه لوضعه داخل منظومة السلطة، وكانت أعتى من أن يقاومها، فهذه الحالة يمكن أن تسقط أي أحد مهما بلغ ذكاؤه، ولا يبدو أن رفعت كان ذكيًا على أية حال، فالتحرك تحت الحماية الرمزية يجعله في وضعية تغلقه عن التعلم من أخطائه، مع أنه اقترف الكثير والكثير منها.

مضى رفعت في مسيرة عسكرية مفتوحة وممهدة لتقدم مشوّه يذكّر بالذي استحوذ عليه عبد الحكيم عامر في مصر وكثيرون من الانقلابيين الذين وجدوا النجوم تحط على أكتافهم من غير مقدمات أو منجزات، وبجانبها مضى في مسيرة أخرى أكاديمية أوصلته ليتحصل على درجات علمية ثقيلة، اختتمها بالدكتوراه الفخرية من أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي، والأقاويل في سوريا كثيرة، ومنها ما ينقل عن أحد الشركاء في التراجيديا السورية، وزير الدفاع مصطفى طلاس، الذي تلقى اتصالًا من رئيس جامعة دمشق يشكو من ضغوط مرتبطة بحصول رفعت على شهادة الدكتوراة من الجامعة، ليرد ببساطة واستهانة: أعطه ما يريد، فهو لن يعمل أستاذًا للتاريخ في جامعتك.

لنعد إلى تاريخ رفعت الشخصي، ونحاول البحث عن جمرات تشكله الشخصي تحت وجهه البارد الذي حاول أن يقتبس من حيادية وصلابة وجه شقيقه حافظ.

متى ترك حافظ المنزل، في أي عمر كان رفعت وقتها، يفترض أنه كان في الحادية عشر، جالسًا على مقربة من أمه، يسمع أخبار تقدم شقيقه، ويعرف أنه كان يتحصل على حصةٍ أكبر من الحنان، ولكن حافظ يستحوذ على الحصة الوحيدة من الفخر في وسط مجتمعهم المنسي.

الفخر بالنسبة لسيدة مثل ناعسة شاليش، ولنترك الروايات الرخيصة التي تحدثت عن عملها خادمةً في المنازل، كان شيئًا كثيرًا لا يمكن أن يقدمه رفعت، وكل خطوات تَقدّم رفعت في الحياة أتت سحبًا من الرصيد الكبير الذي منحه حافظ للعائلة وأقاربها وأصهارها وأنسبائها، وهذه عقدة أساسية، والمسكوت عنه المرتفع الصوت الذي حاول رفعت أن يسد أذنيه عنه طويلًا، إلا أن للقدر وطبيعة البشر رأي مختلف.

في بداية الثمانينات من القرن الماضي كان باسل الابن الأكبر للرئيس يدخل في مرحلة الشباب، ومثل أي رجل ريفي كان الابن قرة العين لوالده، الامتداد الطبيعي والمشروع، ويحدث أن صحة الرئيس بدأت تواجه متاعبًا مختلفة، والأوضاع السياسية تمضي إلى مزالق واختبارات صعبة، في ذلك الوقت، رأى رفعت أن فرصته تتصاعد وتتضاءل وتدخل في حالة من الاستقطاب الذاتي، وتحت وطأة التوتر يبدأ الصراع بين الشقيقين.

هل هي أسطورة سياسية أخرى؟

ربما، ولكنها تمتلك كل مقومات التصديق ضمن السياقات القائمة في تراجيديا الأسرة الأسدية، وهي تمضي على النحو التالي، تُستدعى السيدة ناعسة لتحكم بين ابنيها، وتتحيز السيدة التي وقفت في مهمة لم يتمكن أي سياسي أو جنرال سوري من الاضطلاع بها للتقاليد الريفية، فالأخ الكبير سيبقى صاحب المكانة، كما أنه الشخص الذي جعلها تتنفس أوكسجين الفخر في مجتمع ليس فيه أكثر من الحنان، الحنان القاسي الذي يبذله الفقراء والمهمشون لبعضهم ليستدفئوا به في مواجهة الدنيا وظروفها.

في ذلك اليوم جرى تحييد رفعت، وكان عليه أن يرحل، ومع ذلك يفضل الرواة أن ينسبوا له دورًا ما في التغيب المفاجئ للابن باسل، إلا أن الرجل الذي بقي ينتقد شقيقه من الخارج ضمن ما تسمح به المعادلات القائمة، بقي حاضرًا بوصفه جزءًا من تاريخ سوريا، يناور ويطرح نفسه بديلًا، يقترب ويبتعد، ويتأرجح بين القبول على مضض والرفض حد الكراهة.

بأربع زوجات، وستة عشر ابنًا وابنة، مثل ريفي عنيد وجد نفسه يقضي ردحًا طويلًا من حياته في باريس وغيرها من المنافي، يترك رفعت الأسد الدنيا، رجلًا يرى حياته فرصةً ضائعةً، وبسذاجة تصل حد الوقاحة، ربما يرى نفسه الفرصة الضائعة على السوريين، مع أنه الرجل الذي عاش حياته في ظل اللعنات، لعناته الشخصية التي جعلته يأتي الدنيا متأخرًا بعض الشيء، ويغادرها بعد أن يتذوق أفول عائلته وكل المجد والفخر الذي عايشته وانحازت له السيدة ناعسة شاليش، أو عباد كما أتى اسمها في النعي الذي نشرته العائلة.

ربما لن نعرف ما الذي كان يحدث في سوريا من غير أن نتعرف أكثر على السيدة شاليش/ عباد، ولكن هل يتحيز السوريون للتجاوز والنسيان، أن ينكأوا جراحهم من جديد، هذه أمور ستظهر مواقفهم تجاهها بعد أن يتحصلوا على فرصة كافية للتنفس بعمق، والنظر إلى الوراء بغضب يليق بشعب عظيم كان مصيره ذات ليلة باردة من شباط في حوزة سيدة غامضة لا يعرف على وجه الدقة ما اسمها، ولا يعرف معظم أبنائه كيف تبدو ملامحها، ولم يسمعوا صوتها يومًا، ولا تعنيهم مشاعرها بين حنان يبذل لصغيرها رفعت، أو تباهٍ وتيهٍ بين قريباتها وجارتها بما ينجزها ابنها الضابط العسكري الصاعد والمشروع الانقلابي في الجيش.

يرحل رفعت في نفس اليوم الذي استيقظت فيه سوريا لتتشح بسواد الصدمة أو توشحه بعد وفاة باسل الأسد في شتاء 1994، الفرصة التي جاءته متأخرًا بعد سنوات من الخطأ الكبير بدفعه لسرايا الدفاع تجاه دمشق، ومرةً أخرى يجد كهلًا جليلًا وقاسيًا يقف في طريقه، هذه المرة لم يكن الأم وتقاليد الأسرة، ولكنه التاريخ بسخريته المريرة، يضعه في المكانة المستحقة من جديد، ويحمله بمزيد من اللعنات، فهو يبقى أيضًا متهمًا ولو من بعيد، وداخل سوريا الغارقة في أساطير السياسة لقلة ما تمتلكه من زوادة الحقيقة، باغتيال الشاب الذي وضعت على أكتافه بعضًا من الأمل في مرحلة ما، أو كانت من البراءة لتتخيله ذلك، فالصدفة التاريخية التي دفعت بالأسرة الصغيرة القادمة من القرداحة لتعتلي دمشق وتبني الأوليمب الخاص في القصر الرئاسي، مع فروع للسيطرة تولاها الأقارب والأصهار في تلال أخرى صغيرة على ساحل اللاذقية، تتكشف بصورة مرعبة مع البراميل التي هبطت من طائرات الرئيس الوريث بشار.

منح التاريخ أكثر من عام بقليل ليشاهد رفعت الذي عاش حياةً مديدةً الفرصة لمعاينة الفصول الأخيرة من الحلم الذي أصبح أكبر وأخطر بكثير من أي شيء تخيله طفلًا متوسدًا ذراع السيدة ناعسة شاليش/ عباد أمام موقد النار في القرداحة.

عاش رفعت في الظلال، من الأم إلى الشقيق الأكبر، إلى نظام احتاج فوضاه وشبقه السياسي والسلطوي، ونبذه وأقصاه عندما تخطى حدوده وحاول أن يتقدم لمركز الصورة، ويتركه بعد ذلك يرحل في الظلال، من غير كثير من الاهتمام يستقبل حصته اللائقة من اللعنات التي تغلق القوس الأخير من حياته.

المقال السابق
الجيش الاسرائيلي يعلن القضاء على مسؤول في قسم الهندسة في حزب الله
المادة التالية
وفاة والد نصرالله
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

بسمة في أزمة (٣)

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية