تتعدد الأسباب التي تفسر التدخل الأميركي في فنزويلا.
وفي إطار استراتيجيتها الدفاعية، اعتمدت واشنطن نهجًا أطلقت عليه «التجنيد والتوسع» (Enlist and Expand). وراء هذا النهج تكمن رغبة أميركية قديمة في استعادة النفوذ في السوق اللاتينية، التي باتت اليوم تحت سيطرة الصين.
لكنّ الهدف الحقيقي لا يقتصر على إعادة السيطرة التجارية، بل يتمحور حول ضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية، وخاصة المعادن والنفط، التي تتحكم بها معظم دول أميركا اللاتينية عبر شركات وطنية أو خاصة، مثل البرازيل (بتروبراس)، تشيلي والمكسيك. ويبقى التركيز منصبًا على الأرجنتين، الحليف القريب من إدارة ترامب، وفنزويلا.
فنزويلا: النفط في قلب الصراع
تملك فنزويلا واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم، ما يجعلها هدفًا رئيسيًا للطموحات الأميركية.
إنّ سقوط محتمل لنظام مادورو لن يكون مجرد تغيير سياسي داخلي، بل سيشكل ضربة استراتيجية قد تؤدي إلى إضعاف أو حتى انهيار كوبا، الحليف التاريخي لكاراكاس، التي استفادت لسنوات من النفط المجاني الفنزويلي.
إنّ إسقاط كوبا كان حلمًا أمريكيًا منذ أكثر من سبعة عقود.
ترامب يرفض استمرار النظام الفنزويلي ذي التوجهات “الشافية” في القارة الأميركية. الضربات العسكرية الأميركية واعتقال نيكولاس مادورو تأتي في إطار إعادة فرض الهيمنة الأيديولوجية. وإذا نجحت واشنطن في إسقاط الحكومة الفنزويلية، فلن يبقى أمامها سوى كوبا – التي ستكون في وضع هش – ونيكاراغوا، التي تعتبر أقل أهمية.
العودة إلى عقيدة مونرو
ما يحدث اليوم يندرج ضمن عقيدة مونرو التي أعلنتها واشنطن بوضوح في استراتيجيتها الدفاعية، مع إضافة ما سمته «التفسير الترامبي» لهذه العقيدة. الولايات المتحدة تؤكد حقها في التدخل لدعم الحكومات الصديقة، مثل الأرجنتين، ومواجهة الأنظمة المعادية عبر «استخدام القوة المميتة» و«عمليات الانتشار المحدودة»، كما ورد في الوثائق الرسمية.
سابقة تاريخية تعود إلى 1989
آخر تدخل عسكري أميركي مباشر في المنطقة كان العام 1989، حين أمر الرئيس جورج بوش الأب، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، بغزو بنما لاعتقال الجنرال مانويل نورييغا، المتهم بتهريب المخدرات وغسل الأموال. حُكم عليه بالسجن 40 عامًا في فلوريدا، قبل أن تُخفض العقوبة إلى النصف لحسن السلوك. منذ ذلك الحين، لم تشهد المنطقة تدخلًا عسكريًا أميركيًّا بهذا الحجم حتى اليوم.
تداعيات جيوسياسية عالمية
هذه الأحداث غير مسبوقة في التاريخ الحديث وتفتح صفحة جديدة في الجغرافيا السياسية العالمية. المفارقة أن ترامب، الذي طالب قبل أسابيع بجائزة نوبل للسلام، يشن هجومًا على دولة ورئيسها، رغم أن فنزويلا لم تشكل تهديدًا مباشرًا له. هذه الخطوة تذكرنا بما حدث في أوكرانيا، حيث برر بوتين غزوه بـ«عملية عسكرية خاصة» لتطهير البلاد من النازية. ومن المرجح أن يرى بوتين في التحرك الأميركي نوعًا من التبرير لسياساته، رغم أن نظام مادورو كان حليفًا لروسيا.
