لم يختبئ نواف سلام خلف البيانات، ولم يرفع عن نفسه العتب بمواقف معلبة تُطلق في الاستقبالات، بل شمّر عن يديه ونزل إلى الميدان، وخاض مباشرةً غمار القرارات الصعبة.
ما إن أنهى جولاته في جنوب لبنان، في محاولة لإعادة وجه الدولة إلى منطقة تُركت طويلاً لتحالف السلاح والفساد، حتى وجد نفسه أمام اختبار لا يقل خطورة: معركة إنقاذ فقراء طرابلس، أولئك الذين جرى استهلاكهم لعقود وقوداً للاشتباكات، وأصواتاً مرجِّحة في الانتخابات، وجمهوراً جاهزاً للتصفيق في المواسم.
استنفر سلام أجهزة الدولة من أجل طرابلس، واستخرج قرارات كان الأجدى بمن أمضوا سنوات في الحكومات والمجالس النيابية — من المزايدين والبكّائين والمتباكين على المظلومية — أن يتخذوها منذ زمن. لكنهم لم يفعلوا، إمّا تلهّيًا متعمّدًا، أو تواطؤًا مكشوفًا، أو استثمارًا رخيصًا في الفقر.
لم يفعل سلام ذلك طمعاً بكتلة نيابية من الشمال، ولا بحثاً عن شعبية عابرة، بل لأنه يدرك، منذ تشكّل وعيه السياسي، أن لبنان لا يُدار بالزعامات، بل برجال دولة؛ لا يُبنى بالشعارات، بل بالأفعال؛ ولا يُنقذ بالتحريض، بل بحشد الدعم الفعلي.
فالاهتمام بفقراء طرابلس لم يكن يوماً شأناً إنسانياً ضيقاً، بل حاجة لبنانية استراتيجية. إهمالهم كان دائماً بمثابة عبوة ناسفة موقوتة تهدد وجود الكيان اللبناني نفسه. وفي كل مرحلة، كان ثمة من يستثمر هذا الإهمال: مرة باسم التطرف لتبرير الهيمنة، ومرة باسم الفوضى لتشريع تفكيك الجغرافيا اللبنانية.
حتى في الآونة الأخيرة، لم يخلُ المشهد من محاولات لاستعمال طرابلس كورقة تهديد، هذه المرة بإيحاءات دخول تركي–سوري على خط السلخ وإعادة الضم، في لعبة خطيرة على وحدة لبنان وهويته.
أما محاسبة الماضي، فيجب أن تُترك ليقظة الناس. وحدهم القادرون على تسمية من أغرقوهم بوعود وردية، ثم تركوهم يكتشفون، يوماً بعد يوم، أن دماءهم تُهدر ودموعهم تُحرق بلا جدوى.
نوّاف سلام تحرّك بطريقة مختلفة. تحرّك بعقلية رجل دولة.
و الرجاء الجماعي في لبنان، اليوم، أن يثابر على هذا النهج، وأن يحوّل القرارات التي اتخذها إلى مسار ثابت لا يحيد عنه، لأن البلاد لم تعد تحتمل تجارب… ولا خطابات.