"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

نهاية الحقبة الإيرانية

نيوزاليست
الخميس، 19 فبراير 2026

نهاية الحقبة الإيرانية

حسن أوريد-كاتب مغربي

أعني بالحقبة الإيرانية، الفترة التي أثرت فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في شؤون الشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، وشمال أفريقيا، سياسيا وثقافيا، منذ أن اندلعت الثورة الإيرانية. عرفت الحقبة أوج تأثيرها بعد سقوط نظام صدام حسين، وفيما كان عبّر عنها رئيس المجلس الإيراني من تحكم إيران في أربع عواصم عربية وهي بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت.

غيّرت الثورة الإيرانية الثقافة السياسية في الشرق الأوسط. أجهزت على ما بقي من الليبرالية وكانت قد اهتزت مع الناصرية، ودفعت الاتجاهات اليسارية إلى التواري للخلف، وأعطت دفعة قوية للإسلام السياسي، واستقوت الأقليات الشيعية، وانتقلت من التأثير إلى الفعل كما في العراق واليمن، من خلال تنظيمات مسلحة، وتؤثر من ثمة في الفعل السياسي، وامتد تأثير الثورة الإيرانية في الجاليات المسلمة في أوربا، وبخاصة في فرنسا، وأضحى الإسلام مرساتها الهوياتية، والراية التي تُرفع للتعبير عن مطالبها.

لا يمكن في التاريخ أن نطرح السؤال، ماذا لو؟ ولكن يمكننا ذلك في العلوم السياسية. لو لم تندلع الثورة الإيرانية، هل كان للاتحاد السوفيتي أن يجتاح أفغانستان، وهل كان للحرب الإيرانية العراقية أن تندلع، وهل كان للحركات الجهادية أن تقوم في أفغانستان، وهل كان للعراق أن يغزو الكويت، وهل كان لعاصفة الصحراء (حرب الخليج الثانية) أن تقوم، وهل كان لصراع الحضارات أن ينهض، وهل كان للمد الإسلامي أن يهز الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، وهل كان أن يقوم وكلاء لإيران ويستقووا ، من حزب الله، والحوثي، والحشد الشعبي… كل ذلك من أثر الثورة الإيرانية، التي غيرت الخريطة السياسية والثقافية في المنطقة، وأثرت فيها بدرجات متفاوتة.

لكن الثورة الإيرانية بدأت في الجزر مع تداعيات حرب غزة، جراء ضرب حزب الله من قِبل إسرائيل، واستهداف رؤوسه، ومقتل أمينه العام حسن نصر الله، ثم مع سقوط نظام الأسد في سوريا، فحرب الاثني عشر يوما على إيران، والاحتجاجات التي هزت إيران في حجم غير مسبوق. تُغلَق الحقبة الإيرانية في المنطقة، أيا كانت مآلات الوضع في الخليج، أقامت الحرب أم لم تقم، أبقي النظام الإيراني أم سقط.

من شأن إغلاق الحقبة الإيرانية أن يؤثر على العالم العربي، ويغير من الثقافة السياسية. يُذكّر الأمر بالاهتزاز الذي عرفه الاتحاد السوفيتي قبيل سقوط جدار برلين وأثر ذلك في أوربا الوسطي، وآسيا الوسطى، كما قصر من ورق.

يمكن رصد الاتجاهات الكبرى لهذا التحول، وهو ضعف وكلاء إيران في المنطقة، وتراجع الإسلام السياسي عموما، وبروز التناقضات المستترة التي كانت تقوم ما بين بعض الدول العربية، كما ما بين الإمارات والسعودية. لكن بغض النظر عن هذه الاتجاهات الكبرى، هل هناك قوالب فكرية، لاحتضان التغييرات المحتملة؟ الإطار الممكن والعقلاني، هو الدولة، والعلاقة الثابتة هي المواطنة بداخل كل دولة، والاتجاه الممكن والواقعي هو الحداثة، أو معانقة التجربة الكونية.

أما حلم نظام عربي جديد، فالحقيقة أنه لم يقم قط نظام عربي موحد، وأن العالم العربي، في عز الفكرة العربية، كان موزعا بين المعسكر التقدمي والمعسكر المحافظ، أو ما كان ينعت بالرجعي، واهتز مع اتفاقية كامب ديفيد ما بين مصر وإسرائيل سنة 1978، واضطرب مع الحرب العراقية الإيرانية 1980، إذ تقارب العراق مع المعسكر المحافظ، وناصر بعض من الأنظمة التي تنعت بالتقدمية إيران، وانتهى النظام العربي عمليا مع اجتياح الكويت سنة 1990.

كان الإسلام السياسي متحورا للقومية العربية، يحمل جينومها، ولا يمكن نفي القرابة ما بين القومية العربية والإسلام السياسي، ولم يعد الإسلام السياسي الفكرة الناظمة، وهو يدخل في أزمة.

هناك تغييرات كبرى على مستوى العالم، من خلال تغيير أدوار الفاعلين الكبار، الولايات المتحدة والصين وروسيا، وتواري دور أوربا، ولم يستقر العالم على قواعد جديدة.

في خضم هذه التحولات الكبرى، تبقى الدولة القاعدة الصلبة، أما غيرها من توجهات فوق وطنية، فسائلة، من العسير البناء عليها، كمن يُنظّرون لـ “نظام عربي جديد” مثل (مروان المعشر)، أو يدعون لـ “تمرد الهلال” مثل (كمال أوزتوك)، وما شابه ذلك. وتبقى المواطنة هي الرابط الأمتن، عوض الانتماءات الطائفية التي تتهدد أمن الدولة وسبيكة المجتمعات.

أما التوجه الصائب فهو الحداثة والأخذ بما انتهت إليه التجربة الكونية، ليس في التقنية فحسب، بل في الفكر وأوجه الحياة، وتنظيم المجتمع، والنأي عن خطاب الخصوصية، والتمييز ما بين الثقافة التي تتسم بالخصوصية والحضارة التي هي ذات طبيعة كونية.

هناك تجربتان في المنطقة، يمكن الوقوف عندهما، تجربة تركيا التي أخذت بأسباب التحديث، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، واحتفلت قبل سنتين بالذكر المئوية لقيامها، وهناك التجربة الإيرانية، التي اعتبرت التغريب سما، ورفعت خطابا مهدويا، وتتعرض لامتحان عسير قد ينهي التجربة بالكامل.

نقطة وأوّل السطر

المقال السابق
ترامب: مشكلة لبنان "ليست كبيرة"
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

الجاهلية التي اخترعناها ..

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية