"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

من “نقاش توراتي” إلى عاصفة سياسية: ما السياق الحقيقي لتصريح سفير واشنطن عن إسرائيل من النيل إلى الفرات؟

المحرّر السياسي
الأحد، 22 فبراير 2026

من “نقاش توراتي” إلى عاصفة سياسية: ما السياق الحقيقي لتصريح سفير واشنطن عن إسرائيل من النيل إلى الفرات؟

أثار تصريح السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، حول “حق إسرائيل في الامتداد من النيل إلى الفرات” موجة واسعة من الجدل، بعدما جرى تداوله باعتباره مؤشراً على توجّه سياسي جديد. غير أن العودة إلى السياق الكامل الذي صدر فيه هذا الكلام تُظهر صورة أكثر تعقيداً، تفصل بين الخطاب الأيديولوجي والوقائع السياسية.

في الأصل، جاء تصريح هاكابي خلال مقابلة إعلامية ضمن نقاش ذي طابع ديني–فكري حول مفهوم “أرض الميعاد” في النصوص التوراتية. وخلال هذا النقاش، طُرح عليه سؤال افتراضي عن الحدود التي تعتبرها بعض التيارات الدينية لإسرائيل، فأجاب بعبارة لافتة مفادها أن “ذلك سيكون مقبولاً”، في إشارة إلى الامتداد من النيل إلى الفرات. هذه الإجابة لم تُطرح بوصفها خطة سياسية أو إعلاناً رسمياً، بل جاءت ضمن جدل نظري يستند إلى قراءة دينية–أيديولوجية، شائعة في أوساط ما يُعرف بالصهيونية المسيحية.

هذا التفصيل أساسي لفهم طبيعة التصريح. فهاكابي، المعروف بانتمائه إلى هذا التيار، لم يكن يتحدث من موقع واضع سياسات، بل من موقع مؤمن برؤية دينية تعتبر أن لإسرائيل “حقاً كتابياً” في مساحة جغرافية أوسع من حدودها الحالية. وهو طرح لا يعبّر عن سياسة أميركية رسمية، ولا عن برنامج إسرائيلي معلن، بل عن قناعة فكرية تتردد في بعض الدوائر المحافظة داخل الولايات المتحدة.

الأهم أن السفير الأميركي نفسه عاد، في سياق المقابلة أو في مواقف لاحقة، ليقرّ بأن إسرائيل لا تسعى عملياً إلى تحقيق هذا التصور، وأن أولوياتها تتمحور حول الأمن والاستقرار ضمن واقعها القائم. هذا التوضيح يعزز الفارق بين “ما يُعتقد دينياً” و”ما يُنفّذ سياسياً”، وهو فارق غالباً ما يُطمس عند تداول التصريحات في سياق إعلامي سريع.

مع ذلك، فإن وقع العبارة لم يبقَ محصوراً في إطارها النظري. ففكرة “إسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرات تحمل حمولة سياسية وتاريخية ثقيلة في الوعي العربي، وترتبط بسرديات توسعية تُعدّ، من منظور القانون الدولي، غير شرعية. لذلك، لم يكن مستغرباً أن تثير تصريحات هاكابي موجة إدانات واسعة، اعتُبرت تعبيراً عن نزعة تهدد استقرار المنطقة، حتى وإن لم تكن تعكس سياسة فعلية.

في المحصلة، يكشف هذا الجدل عن فجوة متكررة بين الخطاب الأيديولوجي لبعض المسؤولين الأميركيين، وبين السياسات الواقعية التي تحكم العلاقات الدولية. فالتصريح الذي قُدّم كأنه إعلان لمشروع جيوسياسي، يتبيّن عند التدقيق أنه جزء من نقاش فكري ذي خلفية دينية، جرى تضخيمه بفعل حساسية السياق الإقليمي، وسرعة تداوله خارج إطاره الأصلي.

وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم: إلى أي حد يمكن فصل القناعات الأيديولوجية لصنّاع القرار عن السياسات التي يساهمون في صياغتها؟ وهو سؤال يتجاوز تصريحاً بعينه، ليطال طبيعة المرحلة التي تختلط فيها السرديات الدينية بالحسابات الاستراتيجية في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً.

المقال السابق
قول اليوم للحلاج حول استقلال التجربة الدينية وعدم الاشتغال بأحوال الآخرين

المحرّر السياسي

مقالات ذات صلة

خامنئي يستشرف اغتياله وينشئ آليات "الأمرة" إن "غاب عن السمع أو الحياة"

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية