عندما أطاحت الثورة الإسلامية في إيران بحكم الشاه عام 1979، كان يبلغ سعر الدولار الأمريكي 70 ريالًا إيرانيًا. وفي بداية عام 2026، أصبح لا بد من دفع مبلغ فلكي قدره 1.4 مليون ريال مقابل الدولار الأمريكي. ومن الواضح أنَّ عدد الأشخاص الذين يعانون في إيران من هذا التراجع الحاد في قيمة عملتهم الوطنية يزدادون باستمرار. وعلى أية حال كانت قيمة عملتهم في عهد الشاه تزيد عن نحو 20 ألف ضعف قيمتها اليوم.
ولذلك فقد خرجت إلى الشوارع في الأسابيع الماضية حتى الجماعات التي دعمت النظام الشيعي بعد الثورة الإسلامية في عام 1979. وكان تجار البازار المؤثرون في طهران أول من احتجوا علنًا في كانون الأول/ديسمبر 2025 على الأزمة الاقتصادية، والتضخم الجامح الذي وصل إلى نحو 50 بالمائة، والانخفاض المأساوي في قيمة الريال.
وفي هذا الصدد نقلت وكالة رويترز في بازار طهران الكبير القديم عن تجار لا يريد الكشف عن اسمه قوله: “نحن نعاني. ولا نستطيع استيراد أية بضائع لأنَّ الولايات المتحدة الأمريكية فرضت عقوبات على إيران، ولأنَّ الحرس الثوري أو الدوائر المرتبطة به فقط يسيطرون على الاقتصاد، ولا يفكرون إلا في مصالحهم الخاصة”.
يصف أندرياس غولدتاو من جامعة إرفورت الأزمة الاقتصادية قائلًا إنَّ “بنية الطاقة التحتية في إيران كلها في حالة سيئة. ولذلك تعاني إيران من صعوبات في الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية. وعلى الرغم من ثروتها الكبيرة من مصا در الطاقة، لكن انقطاع التيار الكهربائي جزء من الحياة اليومية. وبما أنَّ دعم الطاقة يشكل جزءًا متزايدًا باستمرار من ميزانية الدولة، فقد تم رفع أسعار البنزين، مما يؤثر على الأسر والأعمال التجارية”.
الحرس الثوري والصناديق الخيرية وشبكة النخبة في إيران
يرتبط هيكل إيران الاقتصادي ارتباطًا وثيقًا بالنخبة السياسية في الجمهورية الإسلامية، وخاصة بالحرس الثوري الإسلامي الذي يسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد. وكذلك توجد شبكة من مؤسسات وصناديق خيرية دينية، تعرف بالفارسية باسم “بنياد”؛ وهي تسيطر على مشاريع البنية التحتية والمدارس وصناعة الأدوية. وأيضًا ما يعرف باسم “خاتم النبي” ولكن لا علاقة له بالخاتم المعروض في قصر توبكابي بإسطنبول، بل هو اسم أكبر مجموعة للبناء والصناعة في إيران، ويسيطر عليها أيضًا الحرس الثوري.
والحرس الثوري في إيران يربح من كل مسافر يسافر على متن الرحلات الجوية، ومن كل حاوية شحن وكل صفقة تصدير أو استيراد ممكنة. ومن دون الحرس الثوري لا يحدث في إيران أي شيء تقريبًا - سواءً فيما يتعلق بالنفط أو صناعة الأسلحة أو العيادات الطبية المتخصصة. يعتبر الحرس الثوري أكبر منظمة تهريب في إيران، تشحن النفط الخاضع للعقوبات إلى الصين، أو تدخل إلى البلاد الكحول المحظور في إيران.
وكذلك يملك الحرس الثوري شركات طيران خاضعة لعقوبات غربية، مثل شركة ماهان إير، وحصة الأسد في أكبر شركة اتصالات إيرانية (TCI). وتأتي في المرتبة الثانية في هذا القطاع شركة إيرانسل (MTN)، التي يشارك فيها إلى جانب الجيش أيضًا المحيطون بالمرشد الأعلى علي خامنئي.
وفي مقطع فيديو انتقدت السيدة جوهر عشقي، وهي أم المدوّن ستار بهشتي الذي تعرض للتعذيب حتى الموت في السجن، النخب التي يبدو أنَّ خطابها المناهض للغرب لا ينطبق على الشباب في إيران، بقولها: “أبناؤهم يعيشون في الغرب، وأبناؤنا يرقدون في المقابر أو يقبعون في السجون”.
ولكن ما مدى تأثير الحرس الثوري بالضبط؟ يتجادل حول ذلك منذ سنين حتى خبراء الشؤؤن الإيرانية. وذلك لأنَّ حصص الحرس الثوري في الشركات وشبكاته الأعمال غير شفافة تمامًا، ولا تخضع تقريبًا لأية رقابة أو إشراف - حتى وإن كانت هناك جهات حكومية تتخذ بعض الإجراءات ضد أفراد من الحرس الثوري بسبب الفساد.
“ما من شك في أنَّ الحرس الثوري الإيراني وصناديق بنياد يهيمنون على الاقتصاد في إيران منذ أواخر العقد الأول من الألفية الثانية. ولكن من الصعب تقدير حصتهم الدقيقة من الناتج المحلي الإجمالي. وذلك لأ نَّهم يديرون شبكات معقدة تضم شركات قابضة وشركات وهمية وما يعرف باسم الصناديق الخيرية”، كما قال في حوار مع دويتشه فيله كيهان فالادبايجي، الباحث في المعهد الدولي للتاريخ الاجتماعي في أمستردام.
وبحسب فالادبايجي فقد شكلت الشبكة الاقتصادية التي تضم العسكريين والمؤسسات الدينية والثورية نحو 50 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني مع نهاية العقد الثاني من الألفية الثانية. “ومنذ ذلك الحين، عززت هذه المؤسسات نفوذها على الاقتصاد، بحيث يمكنني القول وبكل تأكيد إنَّها باتت تسيطر الآن على أكثر من نصف الناتج الاقتصادي في إيران”.
لقد ظهر بوضوح مدى إصرار الحرس الثوري على المطالبة بحصته في جميع الأعمال التجارية الممكنة عندما قام الحرس الثوري بمنع للاكتتاب العام لشركة التكنولوجيا الناشئة “ديفار”، وهي منصة إيران الرائدة في مجال الإعلانات المبوبة. لقد تمكن الحرس الثوري من فعل ذلك على الرغم من عدم امتلاكه أية أسهم في هذه الشركة.
وفي هذا الصدد اشتكى رجل أعمال مقرب من مجلس إدارة شركة “ديفار” لصحيفة واشنطن بوست قائلًا: “دائمًا عندما يربح أحد ما في إيران، تظهر فجأة جهة ما، أو مؤسسة شبه حكومية، وتقحم نفسها”.
إلى متى يمكن أن يستمر “نظام الزومبي”؟
لا أحد يعلم إلى متى ستستمر احتجاجات الشعب في إيران. ولكن يبدو أنَّ عدد المستائين يتزايد، كما أكد في حوار مع القناة الأمريكية إم إس ناو خبير الشؤون الإيرانية كريم سجادبور من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. وأضاف أنَّ “ثورة عام 1979 احتاجت عامًا كاملًا حتى الوصول إلى ذروتها. الاحتجاجات ضد الشاه بدأت في كانون الثاني/يناير 1978، أي أنَّها استمرت اثني عشر شهرًا. أما الاحتجاجات الحالية فقد بدأت قبل ثلاثة أسابيع فقط”.
ويصف كريم سجادبور الحكام في إيران بأنَّهم “نظام زومبي، أيديولوجيته تحتضر وشرعية تحتضر واقتصاده يحتضر مع ديكتاتوره الذي يبلغ عمره 86 عامًا”. ولكنه ما يزال قادرًا على ممارسة عنف مميت؛ “وهذا ما يُبقي النظام في السلطة”، كما يقول سجادبور.
ولكن هذا العنف يمكنه فقط تأجيل “دفن النظام”، كما يقول سجادبور: “إيران أمة على مفترق طرق نحو شكل ما من التحول. وذلك لأنَّه مهما كانت نتيجة هذه الاحتجاجات، يوجد مرشد أعلى عمره 86 عامًا سيغادر قريبًا، وأعتقد أنَّ لا أحد في المجتمع أو حتى داخل النظام نفسه يعتقد بأنَّ الوضع الراهن سيستمر.
ويعتقد خبير الشؤون الإيرانية كيهان فالادبايجي أنَّ مفتاح إسقاط نظام طهران موجود بشكل خاص لدى الولايات المتحدة الأمريكية. وهو لا يقصد بذلك تدخلً ا عسكريًا في إيران من قبل دونالد ترامب.
ويقول فالادبايجي : حتى تواصل انخفاض أسعار النفط إلى أقل من 50 دولارًا أمريكيًا للبرميل لن يهدد النظام. لأنَّ إيران شهدت في السابق فترات انخفاض الأسعار وتعلمت كيف تتعامل مع التقلبات في سوق النفط العالمية. وذلك “خلال فترة انهيار أسعار النفط من عام 2014 حتى 2016، ومجددًا في عام 2020 أثناء انخفاض الأسعار بشكل ملحوظ عن هذا المستوى، بينما كانت إيران تخضع لعقوبات دولية شديدة”، كما يتذكر فالادبايجي.
ويضيف أنَّ ما يهم في الواقع ليس سعر النفط بحد ذاته، بل السؤال إن كان بإمكان إيران بيع نفطها رغم العقوبات الأمريكية. ويقول خبير الشؤون الإيرانية إنَّ “انخفاض الأسعار مؤلم، ولكن يمكن تحمّله؛ ولكن توقف صادرات النفط بشكل شبه تام سيكون ضرره أكبر بكثير بالنسبة لإيرادات الدولة واستقرارها المالي”.
توماس كولمان (DW)
