تعميم «المكياج» في اللاذقية… قرار إداري أم حلقة جديدة في أسلمة المجال العام؟
أثار تعميم إداري صادر عن محافظة اللاذقية، يمنع الموظفات في الدوائر والمؤسسات العامة من وضع مساحيق التجميل بشكل كامل خلال الدو ام الرسمي، موجة واسعة من الاستنكار على منصات التواصل الاجتماعي، وسط اتهامات للقرار بالتدخل المباشر في الحريات الشخصية وتقييد الحقوق الفردية من دون مسوّغ قانوني واضح.
وسرعان ما تجاوز الجدل مسألة «المظهر الوظيفي» ليأخذ أبعاداً سياسية وثقافية أوسع، خصوصاً في ظل اتهامات متزايدة تُوجَّه إلى حكومة أحمد الشرع بالسعي إلى فرض طابع ديني إسلامي محافظ على المجتمع السوري، عبر قرارات إدارية تُقدَّم بصيغة تنظيمية، لكنها تُقرأ اجتماعياً كخطوات ذات خلفية أيديولوجية.
وفي محاولة لاحتواء الغضب، أصدرت مديرية الإعلام في محافظة اللاذقية بياناً توضيحياً أكدت فيه أن التعميم «لا يهدف إلى التضييق أو المساس بالحريات الشخصية»، بل يندرج – بحسب البيان – في إطار «تنظيم المظهر الوظيفي ومنع المبالغة، بما يحقق التوازن بين الحرية الشخصية ومتطلبات بيئة العمل الرسمية وصورة المؤسسات أمام المواطنين».
غير أن هذا التوضيح لم يُقنع شريحة واسعة من المنتقدين، الذين رأوا فيه تبريراً لغوياً لا يبدّل من جوهر القرار، ولا يجيب عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بالأساس القانوني للتعميم، ولا بالمعايير التي تُستخدم لتحديد ما يُعتبر «مبالغة» في المظهر، خصوصاً عندما يستهدف القرار النساء دون غيرهن.
ويرى معارضو التعميم أن خطورته لا تكمن فقط في مضمونه، بل في سياقه، إذ يأتي ضمن سلسلة قرارات وإشارات يُنظر إليها على أنها تعكس توجهاً متصاعداً لفرض معايير مستمدة من رؤية دينية محافظة، تحت عناوين فضفاضة مثل «الانضباط» و«الصورة العامة» و«الذوق العام».
ويستحضر هذا الجدل قرارات سابقة أثارت انقساماً حاداً، أبرزها التعليمات التي أصدرتها المحافظة صيف العام الماضي لتنظيم قواعد اللباس على الشواطئ والمسابح العامة، والدعوة إلى ارتداء ملابس «أكثر احتشاماً»، بما في ذلك مطالبة النساء بتغطية الجسم (البوركيني). حينها، اعتبر منتقدون تلك الخطوة دليلاً على محاولة إعادة تشكيل الفضاء العام وفق معايير أخلاقية ذات طابع ديني.
وبينما تنفي الحكومة أي نية لفرض نمط ديني على المجتمع، يرى ناشطون وحقوقيون أن تراكم هذه الإجراءات، حتى وإن قُدّمت كقرارات إدارية منفصلة، يشي بمسار واضح نحو أسلمة غير معلنة للمجال العام، تبدأ من مؤسسات الدولة وتمتد تدريجياً إلى تفاصيل الحياة اليومية.
في هذا الإطار، يبدو أن الجدل حول «المكياج» يتجاوز كونه خلافاً حول تعليمات وظيفية، ليصبح جزءاً من نقاش أعمق حول هوية الدولة، وحدود السلطة، ومكانة الحريات الفردية في مرحلة سياسية حساسة، حيث يخشى كثيرون أن تتحوّل الإدارة المحلية إلى أداة لفرض خيارات أيديولوجية على المجتمع باسم التنظيم والانضباط.
