يعكس نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس توجهاً معارضاً لانخراط الولايات المتحدة في الحروب. فقد كان من الأصوات المرتفعة ضد حرب العراق، وسعى، انطلاقاً من ولائه للرئيس دونالد ترامب، إلى الحؤول دون اندفاع بلاده نحو حملة عسكرية ضد إيران. وهو ينتمي إلى جيل يعتقد بأن الضربات الخاطفة قد تفرض قوة الولايات المتحدة على خصومها، لكن من دون الانزلاق إلى حروب طويلة.
وعندما استدعاه ترامب إلى ذلك اللقاء الشهير مع الرئيس الأوكراني، فإنما فعل ذلك لإدراكه أن فانس سيكون حاداً في موقفه ضد استمرار الحرب مع روسيا.
ويمثل فانس تياراً مهماً داخل حركة “ماغا” (MAGA)، إذ يعارض سياسات تغيير الأنظمة وفرض نماذج الغرب على الدول والشعوب.
وعندما أوفده ترامب إلى باكستان، لم يكن ذلك عبثاً، بل ليكون شاهداً أمام التيار الرافض للحرب على تعقيدات التفاهم الدبلوماسي مع إيران، التي يُنظر إليها كدولة بارعة في كسب الوقت عبر المفاوضات من دون تقديم تنازلات جوهرية.
ويبدو أن فانس، الذي أعلن من إسلام آباد، بعد 22 ساعة من المفاوضات مع الوفد الإيراني، قد وصل إلى هذا الاستنتاج، مشيراً إلى ما وصفه بمرونة أميركية كبيرة.
باب المفاوضات لم يُغلق بعد، لكنه دخل مرحلة الحسم. ووفق فانس، فإن واشنطن قدمت أقصى ما لديها، وعلى إيران أن تختار.
وفي حال استمرار التعنت الإيراني، فإن ذلك قد يدفع فانس وتيار “أميركا أولاً” إلى مغادرة موقع المراقبة، والانخراط في تأييد استكمال الحملة العسكرية ضد إيران. وهو ما قد يريح ترامب، عبر توحيد الجمهوريين خلفه، وبناء سردية سياسية حول استحالة التفاهم الدبلوماسي مع طهران، تمهيداً للعودة إلى الخيار العسكري بزخم أكبر.
كيف سينعكس ذلك على لبنان؟
من المرجح أن واشنطن ضغطت على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف استهداف بيروت والضاحية، كي لا تمنح إيران ذريعة لنسف المفاوضات أو إدخال لبنان في صلبها. بل ذهبت أبعد من ذلك، عبر دفع إسرائيل، بعد طول تردد، إلى القبول بالجلوس مباشرة مع وفد لبناني مفاوض.
لكن في حال ترسخ فشل مفاوضات باكستان، يبرز السؤال: هل تعود إسرائيل إلى التصعيد وفق تهديدات نتنياهو الأخيرة؟
الاحتمال وارد. غير أن إصرار لبنان على انتزاع ملفه من يد إيران قد يتيح فصل مسار المفاوضات الأميركية–الإيرانية عن الساحة اللبنانية، ما يسمح باستمرار “نصف الهدنة”، على الأقل إلى حين اتضاح المسار في الاجتماع المباشر المرتقب بين لبنان وإسرائيل في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن.