يجد “معهد العالم العربي” نفسه اليوم في قلب عاصفة سياسية وإعلامية متصاعدة، وسط جدل يتجاوز المساءلة القضائية إلى سؤال أوسع حول المسؤولية الرمزية والأخلاقية لمن يتولون رئاسة مؤسسات ثقافية ذات بعد دولي، في وقت يصر فيه رئيسه جاك لانغ على البقاء في منصبه رغم الدعوات المتزايدة إلى تنحيه.
وفي هذا السياق، جاءت استقالة كارولاين لانغ، ابنة جاك لانغ، من رئاسة نقابة لمنتجي السينما لتضيف بعداً جديداً إلى القضية، بعد الكشف عن تأسيسها شركة «أوفشور» عام 2016 مع رجل أعمال أميركي ورد اسمه في سياق الملف نفسه، وهي خطوة رأى فيها مراقبون محاولة لاحتواء التداعيات الأخلاقية والسياسية التي تلاحق العائلة مع توسع دائرة الاهتمام العام بالملف.
ورغم ذلك، يواصل جاك لانغ، وزير الثقافة الأسبق في عهد الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، رفضه القاطع للاستقالة، مؤكداً في مقابلة مع نشرة الثامنة على قناة فرانس 2 أنه «لا يخشى شيئاً» وأنه «أبيض كالثلج»، على الرغم من ورود اسمه مئات المرات في الوثائق القضائية الأميركية المعروفة بـ«ملفات إبستين»، وهي وثائق لا تشكل بحد ذاتها إدانة قانونية، لكنها تضع أصحاب الأسماء الواردة فيها تحت ضغط الرأي العام.
في المقابل، تتسع دائرة المطالبين برحيله، إذ اعتبر رينو موسولييه، رئيس منطقة بروفانس ـ ألب ـ كوت دازور والرئيس السابق لمعهد العالم العربي، أن موقف جاك لانغ «مضر للغاية بالمؤسسة»، داعياً إياه إلى المغادرة طوعاً «بدلاً من أن يُجبر على ذلك لاحقاً»، محذراً من أن استمرار الأزمة سيقوض صورة المعهد ودوره الثقافي.
وقبل ذلك، كان جان-كريستوف كامبادليس، الأمين الأول السابق للحزب الاشتراكي، قد صرّح لصحيفة لو باريزيان بأن جاك لانغ «يجب أن يستقيل، لأنه طالما لم يفعل ذلك، سواء كان مذنباً أم لا، سيبقى هدفاً دائماً»، في إشارة إلى استحالة فصل موقعه الحالي عن تداعيات القضية إعلامياً وسياسياً.
أما سيغولين رويال، الوزيرة السابقة والمرشحة الرئاسية السابقة، فذهبت أبعد في انتقادها، معتبرة أن عدم إظهار جاك لانغ قدراً أكبر من الصدمة أو الغضب حيال علاقته السابقة بـجيفري إبستين أمر غير مفهوم، مؤكدة أن ذلك «سيضر حتماً بصورة معهد العالم العربي»، وأن الاستقالة «يجب أن تكون بديهية» في مثل هذا الظرف.
الموقف نفسه عبّر عنه أوليفييه فور، الأمين الأول للحزب الاشتراكي، الذي شدد في تصريح لإذاعة فرانس إنفو على أنه «لا يوجد حتى الآن ما يثبت تورط جاك لانغ في الجرائم الجنسية المرتبطة بإبستين»، لكنه رأى في المقابل أن بقاءه في منصبه يضع المؤسسة التي يرأسها في موقع هش، داعياً إياه إلى التفكير بالاستقالة «حمايةً لها»، ومؤكداً أن العدالة يجب أن تأخذ مجراها من دون أي حصانة معنوية أو رمزية.
وتأتي هذه المواقف في أعقاب نشر القضاء الأميركي في 30 كانون الثاني الماضي وثائق قضائية كشفت شبكة علاقات واسعة أقامها رجل الأعمال الأميركي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين مع شخصيات سياسية وثقافية من مختلف أنحاء العالم، ما أعاد فتح نقاش واسع في فرنسا حول حدود المسؤولية الأخلاقية للشخصيات العامة، حتى في غياب اتهامات قضائية مباشرة.
