في ظل تصاعد التوتر الإقليمي المرتبط بإيران، أعلن قائد القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، اللواء رافي ميلو، أن الجيش في حالة «تأهب قصوى» تحسبًا لسيناريوهات متعددة، سواء انضم حزب الله إلى أي مواجهة مقبلة أم لم ينضم. وقال ميلو خلال عطلة نهاية الأسبوع: «إذا حدث شيء من هذا القبيل، فنحن مستعدون دفاعيًا وهجوميًا. هذا هو السيناريو الرئيسي الذي نستعد له حاليًا».
وتأتي هذه التصريحات في وقت تستعد فيه إسرائيل لاحتمال أن تردّ إيران على أي هجوم محتمل، مع انضمام حزب الله إلى المواجهة، وهو سيناريو ترى فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية فرصة لتوجيه ضربة قاسية للحزب قد تسهم في إضعافه على المدى الطويل وربما الدفع باتجاه نزع سلاحه.
قدرات حزب الله: أرقام كبيرة وواقع متآكل
وبحسب أرقام كشف عنها المبعوث الأميركي إلى لبنان، توماس باراك، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، لا يزال حزب الله يمتلك نحو 40 ألف عنصر، إضافة إلى ما بين 15 و20 ألف صاروخ وقذيفة. إلا أن هذه الأرقام تتقاطع مع واقع سياسي وأمني أكثر تعقيدًا.
فالجيش اللبناني أعلن قبل نحو أسبوعين أن حزب الله سيتجه إلى نزع سلاحه جنوب نهر الليطاني، ضمن خطة أقرتها الحكومة اللبنانية، إلا أن إسرائيل استقبلت هذا الإعلان بتشكيك، معتبرة أنه لم يطرأ أي تغيير جوهري على قدرات الحزب الفعلية على الأرض.
وفي الميدان، تواصل إسرائيل ما تسميه «الروتين القتالي» من خلال ضربات متفرقة في جنوب لبنان، فيما تنظر إلى الساحات الإقليمية — إيران، لبنان، والحوثيين — كمنظومة مترابطة قد تنفجر دفعة واحدة.
هل ينضم حزب الله إلى رد إيراني؟
يقدّر الدكتور يوسي مانشروف، الباحث في شؤون إيران وحزب الله في معهد «مسغاف»، أن احتمال انضمام حزب الله إلى رد إيراني مباشر يبقى محدودًا، مقارنة بالميليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن، الذين يُبدون استعدادًا أكبر للتصعيد.
ويرى مانشروف أن حزب الله يقف اليوم عند مفترق طرق صعب، قائلاً: «عليه أن يختار بين أسوأ الخيارات. إنه تنظيم مختلف تمامًا عمّا كان عليه في مرحلة ما بعد نصر الله والنخبة الأمنية التي تم القضاء عليها. لا يزال يمتلك قدرات كبيرة، لكن ثقته بنفسه وخطابه تغيّرا».
ويضيف أن الحزب يتعرض لضغوط متزامنة: عسكرية من إسرائيل، اقتصادية من الولايات المتحدة، دبلوماسية من أوروبا، وداخلية من المجتمع والدولة اللبنانية. ويحذّر من أن «انضمامه إلى الحرب قد يكون خطوة انتحارية، قد تدفع الأميركيين إلى مهاجمته وتمنح إسرائيل ذريعة لشن عملية واسعة النطاق».
إعادة بناء تحت النار
وبحسب مانشروف، لم يُنهِ حزب الله بعد تحقيقاته الداخلية بشأن الاختراقات الاستخباراتية الإسرائيلية، ويركز حاليًا على إعادة بناء بنيته العسكرية وتعزيز صفوفه. ورغم حصوله على نحو مليار دولار من إيران منذ كانون الثاني/يناير، إلا أن حاجاته المالية والعسكرية تفوق ذلك بكثير، في ظل غضب متزايد داخل بيئته الحاضنة ومعاناة المجتمع الشيعي من النزوح والدمار.
كما يشير إلى أن الحزب لم يفقد بالكامل قدرته على إنتاج الأسلحة، لافتًا إلى وجود منشآت تصنيع، من بينها مصنع في جنتا قرب الحدود السورية، يتعرض لهجمات إسرائيلية متكررة، فضلًا عن استمرار عمليات التهريب من إيران وسوريا وتحويل الأموال عبر مسارات إقليمية رغم تشديد الرقابة.
منظمة منهكة… لكن ليست عاجزة
من جهته، يصف البروفيسور إيال زيسر، الخبير في شؤون لبنان وسوريا في جامعة تل أبيب، حزب الله بأنه منظمة «منهكة ومتضررة»، ومن غير المرجح أن تسعى إلى منح إسرائيل ذريعة لمهاجمة ما تبقى من قدراتها.
ويشير زيسر إلى أن الحزب تلقى ضربات قاسية في صيف 2024، واضطر بعدها إلى القبول بوقف إطلاق نار بشروط مواتية لإسرائيل، ومنذ ذلك الحين التزم الصمت حيال الضربات اليومية، في ظل ضغط شعبي غير مسبوق داخل لبنان. ويضيف: «حتى إيران لم تعد قادرة على مساعدته كما في السابق».
ومع ذلك، يحذر زيسر من التقليل من شأن القدرات المتبقية، قائلاً إن الحزب لا يزال يمتلك عشرات الآلاف من الصواريخ وحوامل الأسلحة. ويقدّر مستوى خطورته الحالية بـ«ستة من عشرة»، معتبرًا أنه لا يرغب في حرب شاملة، لكنه لا يزال قادرًا على إلحاق أضرار كبيرة بإسرائيل.
غياب نصر الله وتقلص هامش القرار
ويلفت زيسر إلى أن غياب حسن نصر الله شكّل تحولًا جذريًا في آلية صنع القرار داخل الحزب. فبحسبه، «الإيرانيون كانوا يكنّون احترامًا كبيرًا لنصر الله، وهذا لم يعد قائمًا مع نعيم قاسم»، ما يضيّق هامش المناورة المتاح للحزب في علاقته مع طهران.
ويخلص إلى أن حزب الله قد لا يكون راغبًا في فتح جبهة، لكن إذا قررت إيران الذهاب إلى مواجهة شاملة واعتبرت إشراك إسرائيل ضرورة، «فإن الحزب سيتصرف وفق التعليمات الإيرانية».
سيناريو المواجهة: قصيرة وعنيفة
في حال انضم حزب الله إلى الصراع، يرجّح الخبراء أن تكون المواجهة قصيرة ومكثفة، تعتمد أساسًا على إطلاق الصواريخ والقذائف باتجاه الجبهة الداخلية الإسرائيلية. كما لا يستبعد مانشروف سيناريو محاولات تسلل مجموعات مسلحة إلى داخل إسرائيل لتشتيت الجيش وفتح المجال أمام تحرك إيراني أوسع، محذرًا من الاستهانة بما تبقى من قدرات «خطة غزو الجليل».
