رفع رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع سقف مواقفه السياسية في ملف سلاح «حزب الله» ودور الدولة، داعياً المسؤولين اللبنانيين إلى الانتقال من القرارات النظرية إلى خطوات عملية تنهي «الوضع الشاذ» وتعيد للدولة كامل هيبتها ودورها، محذراً من أن استمرار المماطلة قد يقود لبنان إلى مزيد من الحروب والدمار.
وقال جعجع إن «فجر السيادة قد لاح»، وإنه «لن نقبل بأن يوقف أحد انبلاجه»، سواء عبر «الاستقواء على الدولة وعلى اللبنانيين السياديين الأحرار»، أو عبر «المهادنة والتسويف والمماطلة والترقيع»، مؤكداً أن المطلوب دولة «تحزم وتجزم وتحسم وتحكم»، في مقابل رفض «دويلة تستجلب الويلات وتتورط وتورط لبنان في حروب الآخرين، وتدافع عن إيران على حساب لبنان واللبنانيين».
وفي موقف مباشر من «حزب الله»، اعتبر جعجع أن الخيار الذي اتخذه رئيس الجمهورية جوزاف عون عبر «اتفاق الإطار» يمثل الفرصة المتاحة لإيقاف الحرب الحالية ووضع حد لمسلسل الحروب المتكررة على الحدود الجنوبية، لكنه شدد على أن نجاح أي تسوية يبقى مرتبطاً بحل الأجنحة العسكرية والأمنية الموجودة خارج الدولة، «لبنانية كانت أم فلسطينية، وفي طليعتها أجنحة حزب الله».
وقال إن جمع السلاح غير الشرعي «مطلب لبناني بالدرجة الأولى، ومطلب عربي جامع بالدرجة الثانية، ومطلب دولي شبه جامع بالدرجة الثالثة»، وليس مجرد مطلب أميركي أو إسرائيلي، معتبراً أن حل الأجنحة العسكرية والأمنية غير الشرعية هو «الشرط المسبق والضروري لقيام دولة فعلية في لبنان».
وفي إشارة إلى رهان «حزب الله» على طهران، قال جعجع إن الحزب «كان بانتظار إيران، ولكن أصبح واضحاً الآن أن إيران بالذات محاصرة، وهي بانتظار بارقة خلاص من مكان ما غير موجود فعلاً»، متسائلاً: «ما الذي ينتظره حزب الله؟». وأضاف: «إما أن يقدم حزب الله بكل وضوح وجر أة، ومن دون تسويف أو تذاكٍ، على حل أجنحته العسكرية والأمنية، وإما على الدولة اللبنانية أن تحزم أمرها».
وحمل جعجع المسؤولين الرسميين مسؤولية التحرك، قائلاً إن رئيس الجمهورية والحكومة والنواب «مسؤولون منتخبون بكل ما للكلمة من معنى»، وإن عليهم تجنيب اللبنانيين القتل والدمار والتدهور وإحلال الاستقرار والسلام. وأضاف: «إن كان حزب الله لا يبالي، فإن المسؤولين الرسميين لا يستطيعون إلا أن يبالوا»، داعياً إلى اتخاذ «خطوات عملية جداً» لا تبقى «حبراً على ورق».
وانتقد جعجع أداء مؤسسات الدولة، معتبراً أن لبنان لم يدخل بعد بصورة كاملة مرحلة «دولة المؤسسات»، وطرح في هذا السياق أكثر من مثال على ما وصفه بالخلل في ممارسة الحكم.
وانتقد بصورة خاصة كلام قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال اجتماع استثنائي في آذار الماضي، عندما قال إن القيادة تتخذ قراراتها بما يتناسب مع الظروف المعقدة القائمة لحماية الاستقرار الداخلي والوحدة الوطنية. وسأل جعجع: «كأن المستوى السياسي ليس هو من يقوم بذلك»، معتبراً أن هذا الكلام يشكل «مخالفة صريحة وكبيرة وخطيرة لأحكام الدستور اللبناني والنظام اللبناني».
كما انتقد تغييب وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي عن بعض الزيارات الخارجية لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، سائلاً: «أي دولة مؤسسات هذه التي لا يصطحب فيها رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة وزير الخارجية معهما في زياراتهما الخارجية، وهو الوزير المعني أصلاً بكل ما له علاقة بالعلاقات الخارجية؟».
وتطرق جعجع إلى قضية السفير الإيراني السابق محمد رضا شيباني، مشيراً إلى صدور قرار سياسي عن وزارة الخارجية باعتباره «شخصاً غير مرغوب فيه»، ثم منحه «إدارة حكومية عادية» إقامة بصفة مجاملة، معتبراً أن مثل هذه الوقائع تعكس ثغرات في ممارسة الحكم ينبغي تصحيحها سريعاً.
وأشاد جعجع بوزير الخارجية يوسف رجي، معتبراً أنه تعرض لـ«إجحاف وظلم» من «الأبعدين كما من الأقربين»، وأن «جريمته الوحيدة أنه تمسك بسياسة الدولة الفعلية، بدءاً من خطاب القسم مروراً بالبيان الوزاري وليس انتهاءً بالقرارات الحكومية ذات الصلة».
وفي ملف الاغتيالات، فتح جعجع مجدداً قضية اغتيال القيادي القواتي رمزي عيراني، متحدثاً عن اعترافات أخيرة قال إنها تؤكد مسؤولية «النظام الأمني اللبناني ـ السوري السابق» عن الجريمة، ومتهماً مسؤولين أمنيين وسياسيين سابقين بمحاولة تضليل التحقيق وطمس الحقيقة.
وأكد أن «القوات اللبنانية» ستلاحق المسؤولين عن الجريمة قضائياً، «فاعلين كانوا أم شركاء أو متدخلين أم محرضين أم متسترين، مهما علا شأنهم ومهما عظمت حصانتهم».
كما تناول قضية اغتيال منسق «القوات» السابق في منطقة جبيل باسكال سليمان، مشيراً إلى صدور القرار الظني في القضية بعد طول انتظار، وقال إن القرار أكد أن ما جرى كان «عملية قتل عن سابق تصور وتصميم وليس مجرد حادثة». وأكد استمرار الإجراءات القضائية، ولا سيما استرداد المتهمين المطلوبين الفارين في سوريا، معتبراً أن ذلك من شأنه كشف «الجهة التي تقف فعلاً خلف عملية الاغتيال».
وفي محور آخر، شن جعجع هجوماً واسعاً على ما سماه «الدولة العميقة»، معتبراً أنها لا تمثل مجرد دولة موازية، بل «دولة تسكن في ظل الدولة، وتستعمل مؤسساتها حين تحتاج، وتلتف عليها حين تتعارض مصالحها معها»، فيما تستخدم «الدويلة» هذه الدولة العميقة لجعل الدولة «بطيئة وعاجزة ومكبلة».
وقال إن «الدولة العميقة» تجهض التغييرات الجذرية وتعيق الوصول إلى دولة فعلية، واصفاً إياها بأنها «شبكة مصالح ومنافع في مؤسسات وأجهزة وسلطات أمنية وعسكرية وقضائية»، وتنتمي إلى مرحلة الوصاية التي كانت سورية وأضحت إيرانية، وتمسك بمفاصل الدولة وإداراتها.
وشدد على أنه لن يكون ممكناً التقدم نحو الدولة الفعلية «إذا لم يتم تفكيك وتنظيف الدولة العميقة وإعادة بناء المؤسسات والسلطات على أسس جديدة»، متهماً هذه المنظومة بتعميق جروح الدولة وعرقلة قراراتها واستنزاف قدراتها لمصلحة مرجعيات «خاصة وفئوية ومصلحية» على حساب مرجعية الدولة والقانون.
ولم يعف جعجع الحكومة من مسؤولياتها الإصلاحية، رغم إقراره بأنها قامت ببعض الإصلاحات وأنه «لم تنبعث منها أي روائح فساد». وقال إن النزاهة لا تقاس فقط بغياب الفضائح، بل أيضاً «بسرعة الإصلاح وشفافية القرار وانتظام العمل المؤسساتي وفعالية المساءلة»، معتبراً أن العمل لا يزال بطيئاً وأن المطلوب «كثير كثير».
وخصّ بالانتقاد ملف الإصلاحات المالية، ولا سيما القوانين المرتبطة باستعادة الودائع وإعادة إطلاق القطاع المصرفي، معتبراً أن استمرار التأخير في معالجة هذه الملفات غير مقبول، وأن المودعين ما زالوا ينتظرون جواباً واضحاً حول مصير أموالهم.
وقال إن الوقت ليس للتكتيكات السياسية الصغيرة أو لتقاذف المسؤوليات بين الحكومة والمجلس النيابي وصندوق النقد الدولي، مؤكداً أن التاريخ لن يسأل لاحقاً «من ناور أفضل» بل «من أقدم على الخطوات المطلوبة لإنقاذ الوضع ومن لم يقدم».
وختم جعجع بدعوة السلطة إلى استثمار «اللحظة الدولية والعربية» المتاحة، محذراً من ضياع فرصة قد لا تتكرر، ومؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب أفعالاً لا أقوالاً، وأن «ساعة قيام الدولة» قد دقت.
وفي خلاصة موقفه، وضع جعجع الدولة أمام خيار واضح: إذا لم يبادر «حزب الله» إلى حل أجنحته العسكرية والأمنية، فعلى الدولة أن تحزم أمرها وتستعيد قرارها، بالتوازي مع تفكيك ما سماه «الدولة العميقة» وتسريع الإصلاحات التي طال انتظارها.