يحمل البيان الأخير الصادر عن الجيش الإسرائيلي، على لسان رئيس الأركان إيال زامير، تحولًا نوعيًا في تعريف الجبهة اللبنانية، من ساحة إسناد أو ضغط إلى جبهة مركزية قائمة بذاتها. فالتأكيد أن “المعركة في مواجهة حزب الله قد بدأت فقط” لا يُقرأ كتوصيف إعلامي، بل كإعلان رسمي عن انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة، حيث يصبح لبنان مسرحًا رئيسيًا للعمليات، وليس مجرد امتداد للمواجهة مع إيران.
هذا التحول يتقاطع مع عنصرين أساسيين في خطاب زامير: الأول هو ال ربط المباشر بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية، بما يعني أن أي حسم في إيران سيُستكمل تلقائيًا في لبنان؛ والثاني هو الرهان على “عزل حزب الله” بعد انتهاء تلك المواجهة، ما يكشف عن تصور إسرائيلي لمرحلة لاحقة يتم فيها نقل مركز الثقل العسكري بشكل كامل إلى الجنوب اللبناني.
في هذا السياق، يكتسب الحديث عن “تعميق المناورة” أهمية استثنائية، لأنه يشير بوضوح إلى مرحلة التوغّل البري المنهجي. فالمناورة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية تعني إدخال قوات برية إلى العمق، وليس مجرد عمليات محدودة أو توغلات موضعية. وعندما تُقرن بعبارة “وفق خطة مرتبة”، فهذا يعني أن التوغّل ليس احتمالًا، بل خيارًا قيد التنفيذ التدريجي، يبدأ بتوسيع نطاق العمليات ثم تثبيت نقاط ميدانية داخل الأراضي اللبنانية.
اللافت أن هذا المسار يتكامل مع خطوات ميدانية سبقت البيان، من بينها استهداف الجسور والبنى التحتية جنوب نهر الليطاني، ما يوحي بمحاولة واضحة لإعادة تشكيل الجغرافيا العملياتية قبل أي دخول بري واسع. فقطع طرق الإمداد وعزل المناطق يشكّلان شرطًا أساسيًا لنجاح أي مناورة برية، ويحدّان من قدرة الخصم على الحركة أو إعادة التموضع.
في المقابل، فإن توصيف زامير للمعركة بأنها “طويلة” يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن المواجهة مع حزب الله لن تكون سريعة أو حاسمة، بل أقرب إلى حرب استنزاف متعددة المراحل، تبدأ بضربات كثيفة، ثم توغلات تدريجية، وصولًا إلى محاولة فرض واقع أمني جديد على الحدود.
الخلاصة أن إسرائيل، وفق هذا الخطاب، لم تعد تتعامل مع لبنان كجبهة رديفة، بل كـساحة الحسم التالية. ومع إعلان “بدء المعركة رسميًا”، يصبح التوغّل البري ليس مجرد سيناريو محتمل، بل خيارًا عمليًا يجري التحضير له، في إطار استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم التوازنات العسكرية على الحدود الشمالية، حتى ولو تطلّب ذلك حربًا طويلة ومفتوحة.
نص البيان
بيان الناطق باسم الجيش الإسرائيلي (نص حرفي):
رئيس الأركان خلال المصادقة على الخطط للمرحلة القادمة في مقر قيادة المنطقة الشمالية أمس: المعركة في مواجهة حزب الله قد بدأت فقط - ومع انتهاء المعركة في إيران سيبقى حزب الله وحده ومعزولًا. المعركة ضد حزب الله طويلة ونحن مستعدون لها.
أجرى رئيس الأركان، الجنرال إيال زامير، أمس جلسة للمصادقة على خطط تعميق المناورة البرية في لبنان حيث أعرب عن تقديره البالغ للقادة على جهودهم وعلى الإنجازات التي حققوها خلال الأسابيع الأخيرة.
الجنرال إيال زامير: نركز جل جهودنا على إيران، والجبهة الشمالية ساحة مركزية أخرى، وهما مترابطتان. وتشكّل منظمة حزب الله الإرهابية ذراعًا رئيسيًا لنظام الإرهاب الإيراني، وقد ارتكبت خطأً فادحًا عندما قررت الانضمام إلى المعركة ضد إسرائيل. هذا القرار يضر بها وبالدولة اللبنانية بأكملها.
الرسالة واضحة ومفادها أنه لا مكان آمن بالنسبة للنظام ووكلائه. كل تهديد لمواطني دولة إسرائيل سيُقابل برد حازم ودقيق وقوي.
خلال الأسابيع الأخيرة حققنا إنجازات كبيرة، حيث هاجمنا أكثر من 2000 هدف، ودمرنا عشرات مخازن الوسائل القتالية، وقضينا على مئات المخربين.
المعركة في مواجهة حزب الله قد بدأت فقط - ومع انتهاء المعركة في إيران سيبقى وحده ومعزولًا. إنها معركة طويلة ونحن مستعدون لها.
نحن الآن نستعد لتعميق المناورة والضربات وفق خطة مرتبة. ولن نتوقف حتى إبعاد التهديد عن الحدود وضمان أمن طويل الأمد لسكان المنطقة الشمالية. وبالتزامن مع الغارات، يعزز جيش الدفاع خط الدفاع الأمامي لحماية سكان المنطقة الشمالية.
نحن جاهزون ولخوض معركة طويلة، وسنواصل العمل حسب الحاجة - هجوميًا ودفاعيًا – في سبيل ضمان أمن سكان المنطقة الشمالية على المدى البعيد.