هيرب كينون- جيروزاليم بوست
عندما فتح «حزب الله» النار في 8 أكتوبر 2023، بعد يوم واحد من هجوم «حماس»، كان رد الفعل الإسرائيلي قائمًا على الانكفاء. أُخليت مجتمعات كاملة على طول الحدود الشمالية خشية تكرار سيناريو التوغل الذي شهدته الجبهة الجنوبية. وبين 60 ألفًا و80 ألف إسرائيلي غادروا الجليل، ضمن عملية إجلاء واسعة شملت أكثر من 200 ألف شخص.
كان المنطق واضحًا حينها: تقليل تعرّض المدنيين للخطر، ومنح الجيش حرية العمل، وتفادي إصابات ناجمة عن الصواريخ والغارات عبر الحدود.
اليوم، ومع اشتداد المواجهة مع إيران وانضمام «حزب الله» رسميًا إلى المعركة، تعكس إسرائيل الاتجاه تمامًا. هذه المرة، القرار واضح: لا إجلاء.
قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش: «هذه المرة لن نقوم بإجلاء أحد». فيما أكد قائد المنطقة الشمالية اللواء رافي ميلو أن الجيش «مستعد للدفاع والهجوم»، وأن الضربات في بيروت وجنوب لبنان ستتصاعد.
انقلاب عقائدي
ما يجري لا يقتصر على تغيير تكتيكي، بل يمثل تحولًا في العقيدة العسكرية. في 2023، سعت إسرائيل إلى إبعاد المدنيين عن الخطر. أما في 2026، فهي تسعى إلى إبعاد الخطر عن المدنيين.
وزير الدفاع يسرائيل كاتس أعلن أن الجيش مخوّل «بالتقدم والسيطرة على أراضٍ مهيمنة داخل لبنان» لمنع إطلاق النار المباشر على المستوطنات. وبالفعل، عزز الجيش وجوده البري جنوب لبنان، متجاوزًا مواقعه السابقة، وسيطر على نقاط استراتيجية تطل على الحدود.
بدل إقامة منطقة عازلة داخل إسرائيل عبر الإخلاء، يعمل الجيش على فرض منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية.
دروس ما بعد 7 أكتوبر
هذا التحول يستند إلى تجربة قاسية. تقرير رسمي صدر الشهر الماضي وصف عمليات الإجلاء بعد هجوم 7 أكتوبر بأنها «فوضى عارمة». لم تكن هناك خطة وطنية جاهزة، واضطرت البلديات إلى الارتجال. في الجنوب والشمال، نزحت مجتمعات كاملة بشكل غير منظم.
تم نقل السكان إلى مئات الفنادق، بتكلفة مليارات الدولارات. تعطّلت المدارس، انهارت أعمال، توقفت الزراعة، وتضرر النسيج الاجتماعي. ورغم أن الإجلاء أنقذ الأرواح، إلا أنه خلّف أثمانًا اقتصادية ونفسية واستراتيجية باهظة.
الأخطر، وفق منتقدين، أن الإخلاء خلق «منطقة أمنية داخل إسرائيل»، حيث لم يعد على «حزب الله» احتلال الأرض، بل يكفيه جعلها غير صالحة للسكن بالقصف المستمر. المدن الفارغة عكست صورة ضعف، وأعطت العدو مكسبًا نفسيًا دون اجتياح.
تبدّل ميزان القوى
في 2026، ترى إسرائيل أن الظروف تغيّرت. فهي في مواجهة مباشرة مع إيران، وقدرات «حزب الله» لم تعد كما كانت. قُتل عدد كبير من قياداته خلال 2024، وتضررت قدراته الصاروخية، فيما تعمل الاستخبارات وسلاح الجو الإسرائيليان بعمق داخل لبنان.
الجيش عزز انتشاره على الحدود، ويعتمد الآن مبدأ «الدفاع الاستباقي»: نقل المعركة إلى ما وراء الحدود بدل الانسحاب منها.
بين الردع والمخاطر
هذا النهج يحمل مكاسب واضحة: الحفاظ على استمرارية الحياة في الشمال، منع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وحرمان «حزب الله» من صورة «إسرائيل الفارغة». كما يعكس ثقة وردعًا أعلى.
لكن المخاطر قائمة. البقاء في المكان لا يلغي التهديد. الصواريخ والطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للدروع لا تزال قادرة على إصابة العمق. الملاجئ والدفاعات تخفف الخطر، لكنها لا تلغيه، خاصة مع وجود فجوات في البنية التحتية للحماية المدنية.
من الإخلاء إلى المواجهة المباشرة
بين 2023 و2026، انتقلت إسرائيل من سياسة «الهروب من الخطر» إلى «مواجهة الخطر». في السابق، حمت مواطنيها بإبعادهم عن النار. اليوم، تحاول حمايتهم عبر إبعاد النار نفسها.
هذا التحول ليس تفصيلاً… بل إعادة رسم كاملة لقواعد المواجهة.
