لا يزال الغموض يلف إطلالة المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ تعيينه قبل أكثر من أسبوع. وكان ظهوره الأول كان عبارة عن بيان طويل نُقل على التلفزيون الرسمي دون صوت أو صورة تضمن وعيدا بالانتقام لدماء الإيرانيين، وتأكيدا على استمرار إغلاق مضيق هرمز.
ورغم الرمزية السياسية ليوم القدس، التي تزامنت مع أول جمعة له في سدة الحكم، سجل مجتبى خامنئي غياباً عن المشهد. وفي المقابل، ظهر كبار المسؤولين الإيرانيين في قلب طهران متحدين قوائم التصفيات الأمريكية، حيث أدلوا بتصريحات لوسائل الإعلام من قلب المسيرات، في استعراض ميداني يهدف لإرسال رسائل تحدٍ مباشرة لواشنطن، وهو ما جعل غياب المرشد الجديد يبدو أكثر غموضاً.
ووفق مصدر مطلع لشبكة “سي إن إن”، أصيب مجتبى بكسر في القدم وكدمات في عينه اليسرى وتمزقات طفيفة في وجهه خلال اليوم الأول من حملة القصف الأمريكية والإسرائيلية التي أودت بحياة والده وكبار القادة العسكريين الإيرانيين.
وفي ظل تضارب الأنباء حول وضعه الصحي كتب نجل الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، وهو مستشار حكومي، في وقت لاحق أن مجتبى أصيب لكنه في مكان آمن وهو في حالة جيدة بناء على تقارير من أشخاص مطلعين.
وفي المقابل، ذهب وزير الحرب الأمريكي ، بيت هيغسيث، إلى أبعد من ذلك بوصفه القائد الجديد بـ”المشوه على الأرجح”، في وقت وضعت فيه إسرائيل أي خليفة للمرشد الراحل علي خامنئي في دائرة الاستهداف.
ولم يمنع الاحتجاب آلاف الموالين له من التظاهر، غير أن هذا الزخم الشعبي لم ينجح في حجب التساؤل الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة: من الذي يمسك بزمام الأمور فعلياً ويدير شؤون البلاد في ظل هذه الظروف؟.
السلطة خلف الكواليس
على مدى ما يقرب من أربعة عقود، بقي مجتبى خامنئي يعمل في الظل أثناء حكم والده، محافظًا على نفوذ محدود دون أن يظهر علنًا بشكل ملحوظ.
ومع صعوده الآن إلى أعلى منصب في إيران في وقت تواجه فيه البلاد صراعًا عسكريًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يبرز غيابه المستمر كدليل على التحول في طبيعة السلطة داخل الجمهورية الإسلامية، حيث تلعب المؤسسات الأمنية والعسكرية دورًا أكبر من الفرد في قيادة القرار.
ونظراً لندرة اللقطات الحقيقية للقائد الجديد، لجأ الإعلام الرسمي في طهران إلى عرض صور وفيديوهات مُنشأة بالذكاء الاصطناعي، تُظهر مجتبى خامنئي وهو يلقي خطابات أمام الجماهير أو يقف بجانب والده وقيادات سق طت في الحرب، في محاولة لتعزيز صورته العامة.
وانتشرت هذه الصور على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أطلق مستخدمو الإنترنت عليه لقب: “القائد الأعلى بالذكاء الاصطناعي”.
السيطرة الحقيقية بيد الأجهزة الأمنية؟
يرى محللون أن الأهمية الفعلية الآن لا تكمن في ظهور القائد الأعلى، بل في تماسك المؤسسات الأمنية مثل الحرس الثوري الإيراني، التي تتولى توجيه الاستراتيجية العسكرية للحرب الجارية، فيما يبقى منصب القائد الأعلى وسيلة لتوفير الشرعية السياسية لهذه القيادات.
وقد صاغت تجربة الحرب الطويلة بعد الثورة الإيرانية عام 1979 الثقافة السياسية في البلاد، حيث أدت الحرب مع العراق إلى مقتل مئات الآلاف، كما علمت النخبة السياسية كيفية الحفاظ على استقرار الدولة في أوقات الأزمات، وتطوير قدرة المؤسسات على العمل دون الاعتماد على الظهور العلني للقيادات.
وقالت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز تشاتام هاوس للأبحاث في لندن في تصريحات نقلتها “سي إن إن”، إن “النظام يمكن أن يستمر لفترة من الوقت دون ظهور علني للمرشد الأعلى، إذ أن عدم رؤيته لا يقوض بالضرورة الشرعية على المدى القصير، طالما استمرت المؤسسات الرئيسية في العمل وبدت القرارات منسقة”.
بينما أكد محللون آخرون أن السلطة الحقيقية قد تكون في يد الحرس الثوري الإيراني، الذي يوجّه الاستراتيجية العسكرية للحرب المعروفة باسم “حرب رمضان” وفق الخطط الموضوعة مسبقًا، بينما يكون منصب القائد الأعلى مجرد غطاء سياسي.
ويقول المؤرخ أرش عزيزي: “من المرجح أن تمتلك هذه العناصر الأمنية القوة الفعلية في إيران، وليس مجتبى، حتى لو ظهر علنًا بعد شفائه من إصاباته”.
جدير بالذكر أن وزارة الخارجية الأمريكية، قد قدمت أمس الجمعة، مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل أي معلومات تكشف مكان المرشد الأعلى الإيراني الجديد ومسؤولين كبار آخرين من بينهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني.
