بعد مرور عام تقريبًا على إعلان دونالد ترامب التاريخي انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية، اكتملت عملية الانسحاب مساء اليوم (الجمعة). وأفاد بيان مشترك صادر عن وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت كينيدي جونيور بأن هذه الخطوة ضرورية في أعقاب “إخف اقات المنظمة في مواجهة جائحة فيروس كورونا والأضرار التي لحقت بالأمريكيين”. وقد تؤثر هذه الخطوة غير المسبوقة بشكل مباشر على قدرة الولايات المتحدة - والعالم أجمع - على مواجهة الأوبئة والكوارث الطبيعية، وتتبع انتشار الأمراض.
هذه الخطوة، التي صدرت بأمر رئاسي في اليوم الأول من ولاية ترامب (الذي وصفها آنذاك بأنها “سرطان إدارة بايدن”)، تتطلب، وفقًا للقانون الأمريكي، إشعارًا مسبقًا لمدة عام وسداد جميع الديون المالية التي تدين بها الولايات المتحدة للمنظمة. ومع ذلك، لم تسدد الإدارة المبلغ المتبقي (130 مليون دولار على الأقل)، وأوضحت أيضًا أنها لا تنوي القيام بذلك. من جانبها، احتجت منظمة الصحة العالمية، لكنها لا تملك أي وسيلة للتنفيذ. وقد خلق هذا وضعًا تنسحب فيه الولايات المتحدة من الهيئة التي أسستها بنفسها وموّلت حتى الآن جزءًا كبيرًا من ميزانيتها، لكنها تترك ديونًا غير مسددة.
أدى قرار الانسحاب إلى قطع فوري لجميع أشكال المشاركة الأمريكية في الهيئات الداخلية لمنظمة الصحة العالمية: التمويل، والتمثيل، واللجان المهنية، وتبادل المعلومات، بما في ذلك الفرق المعنية بتحديد تركيبة لقاحات الإنفلونزا للمواسم القادمة. وأعلنت الولايات المتحدة رسميًا أنها ستواصل التعاون الثنائي مع الدول والمنظمات غير الحكومية، لكن الخبراء يحذرون من أن هذا لا يمكن أن يكون بديلاً عن النظام الطبي العالمي الذي تُتيحه منظمة الصحة العالمية.
قال لورانس غوستين، الأستاذ بجامعة جورجتاون: “إن فكرة إنشاء شبكة موازية من الاتفاقيات مع عشرات الدول غير واقعية على الإطلاق. فهذا يعني أننا لن نتمكن من جمع المعلومات الوبائية، أو عينات الفيروسات، أو بيانات التسلسل الجيني في الوقت الفعلي، وهذا سيؤثر سلبًا على قدرتنا على تطوير اللقاحات والاستعداد للجائحة القادمة”.
تشير التقديرات إلى أن العواقب ستكون وخيمة بشكل خاص على الدول النامية. ويؤكد الدكتور جود ويلسون من جامعة جونز هوبكنز أن “انخفاض دعم منظمة الصحة العالمية عقب الانسحاب سيؤدي إلى أكثر من 750 ألف حالة وفاة زائدة هذا العام، معظمها بين الأطفال”. ويضيف أن هذا سيؤثر بشكل مباشر على إمدادات اللقاحات، ومراقبة سلاسل التوريد، والمساعدة في بناء أنظمة صحية هشة.
ويقول الخبراء أيضاً إن هذه الخطوة ستضر بشدة بتطوير الأدوية الجديدة، والوصول المبكر إلى البيانات الحيوية، ومكانة أمريكا كدولة رائدة عالمياً في مجال الصحة العامة. وقال غوستين: “هذا أحد أكثر القرارات الرئاسية تدميراً في جيلنا”.
“اخدموا الصين، لا نحن”
لكن ترامب وفريقه يزعم ون أن هذا تصحيح لظلمٍ وقع. وقال البيت الأبيض: “لم نحصل على عائد لاستثمارنا”، مشيرًا إلى أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة كانت أكبر مانح، إلا أن المنظمة لم يسبق لها أن تولى إدارتها مدير عام أمريكي. وأضاف: “حان الوقت لاستعادة سيادتنا الصحية”. وزعم ترامب نفسه: “منظمة الصحة العالمية خدمت الصين، لا نحن. لا يمكنهم الاستمرار في تمزيق الولايات المتحدة”.
