منذ أسابيع، يدور النقاش الإعلامي والسياسي في المنطقة حول سؤال واحد: هل ستشنّ الولايات المتحدة ضربة عسكرية على إيران؟ ومتى؟ وكيف؟
السؤال مفهوم، لكنّه مضلِّل ، لأنه يفترض، ضمنًا، أن المواجهة لم تبدأ بعد، وأن كل ما نشهده لا يزال في خانة الاحتمالات. والحقيقة أبعد من ذلك بكثير: المسار انطلق فعليًا، والحرب تُدار منذ الآن، لكن بأدوات غير تقليدية، وبإيقاع محسوب، فيما لم يعد الهجوم العسكري – إن حصل – سوى أداة ضمن معادلة أوسع.
من هنا، لا يعود السؤال الحقيقي: هل ستقع المواجهة؟ بل: كيف تُدار، ومن يتحكّم بتوقيتها وحدودها؟
ما تكشفه الأسابيع الأخيرة هو أن واشنطن انتقلت من مرحلة التهديد إلى مرحلة بناء مسار متكامل: سياسي، قانوني، دبلوماسي، وأمني وعسكري. مسار يهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، لا إلى ضربة معزولة أو حرب خاطفة.
التصعيد الإعلامي حول حجم القمع داخل إيران، المدعوم بتقارير دولية وأممية، لا يمكن فصله عن محاولة تأمين غطاء أخلاقي وشرعي لأي خطوة مقبلة. وحتى الحديث المتكرر عن «مفاوضات» مع طهران، بما تضمّنه من شروط أميركية قاسية تتعلق بالنووي والصواريخ والدور الإقليمي، لم يكن مسارًا تفاوضيًا بقدر ما كان جزءًا من بناء الملف: عرض واضح، ورفض إيراني مُسجَّل، يُستخدم لاحقًا في الحسابات الكبرى.
في موازاة ذلك، يتقدّم الضغط المباشر على الحرس الثوري. تصنيفه منظمة إرهابية من قبل الاتحاد الأوروبي ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل خطوة تضرب حسابات الملاذ الآمن، وتفتح داخل النخب الصلبة سؤالًا وجوديًا: البقاء السياسي أم البقاء الشخصي؟
لكنّ العامل الحاسم لا يبقى خارجيًا فقط. فكل مسار تغيير، مهما بلغ حجمه، لا يُحسم من الخارج وحده. هنا يبرز الداخل الإيراني، حيث يُقال إن الاحتجاجات خمدت. هذا توصيف مريح… لكنه غير دقيق. ما حدث ليس نهاية الاحتجاج، بل انتقاله من الشارع إلى العمق الاجتماعي. الغضب لم يتبدّد، بل تراكم، وانتظر.
وفي هذا السياق، يبرز خيار أكثر تعقيدًا من الضربة العسكرية الشاملة: إضعاف أدوات القمع، لا إسقاط النظام دفعة واحدة؛ تفكيك القدرة على السيطرة، بالتوازي مع طمأنة المجتمع الإيراني بأنه لن يُترك وحيدًا في مواجهة آلة يعرف كلفتها مسبقًا.
