أصبح السفير الإيراني في لبنان محمد رضا شيباني عنوانًا من عناوين الانقسام اللبناني ورمزًا من رموز شلل السلطة في بلاد الأرز. الشخص غير المرغوب به، وفق وزارة الخارجية اللبنانية، تحوّل إلى الشخص الأكثر أهمية، وفق “الثنائي الشيعي”. ووزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي الذي اتخذ القرار رُفع إلى مقام النموذج عند كثير من اللبنانيين، فيما حلّل الثنائي دمه وهدده المسؤول في “حزب الله” محمود قماطي بـ “الحرق هو ومن معه ومن يقف خلفه”! وفي لحظة واحدة، اختفت السلطات اللبنانية العليا عن الرادار: صمت عارم حيال الحملة الشرسة والتسريبات “التنصّلية”، و” شبه موافقة” على “التمرد الإيراني”، بعدما قررت طهران، بدعم من “الثنائي”، رفض استدعاء سفيرها “غير المرغوب به”.
من الاستياء إلى الطرد
قبل أن تصل الأمور إلى هنا، ماذا حصل؟ عندما أرسلت إيران أوراق اعتماد السفير محمد رضا شيباني، أظهرت التحقيقات الداخلية التي تُجريها وزارة الخارجية اللبنانية، روتينيًا، أنّ هذا الدبلوماسي هو في الواقع ضابط كبير في “الحرس الثوري الإيراني”، وقد لعب أدوارًا أساسية في سوريا، خلال مرحلة القمع التي قادها النظام السابق ضد شرائح المعارضة السورية. هذا التقييم، وفق مصادر واسعة الاطلاع، أخّر قبول أوراق الاعتماد، ولكن بعد حين تركت الخارجية القرار لرئيس الجمهورية الذي استلم ملفه من دون أن يحدد موعدًا لقبول هذه الأوراق.
تفاقمت الأمور عندما دخل “حزب الله” في آذار/مارس في الحرب “انتقامًا لاغتيال المرشد علي خامنئي”، ومؤازرة لإيران، مما جرّ على لبنان تهديدات وجودية وفتح عليه حربًا كان يسعى، بكل إمكاناته، إلى أن يتجنبها.
انتفضت السلطة ضد تحويل لبنان إلى “ورقة إيرانية”، فيما بدأت المواقف التي تصدر عن إيران وتربط “حزب الله” بها توسّع الهوة مع لبنان الرسمي الذي لم يعد قادرًا على التغاضي عن تحويل “فيلق القدس” لبنان إلى مخزن سلاح ضخم لمصلحته وتحت قيادته!
ومع بدء استهداف الجيش الإسرائيلي لقادة في “فيلق القدس” في لبنان، تفاجأت وزارة الخارجية بإعلان السفير الإيراني في لبنان أنّ هؤلاء دبلوماسيون. ولم يظهر ذلك في سجلات وزارة الخارجية، إذ كان قد جرى، في وقت سابق، إخفاء فضيحة دبلوماسية: لقد أرسلت إيران إلى لبنان أكثر من خمسين ناشطًا في “فيلق القدس” تحت غطاء الدبلوماسية!
وحينها، قرر وزير الخارجية توجيه احتجاج رسمي إلى السلطات الإيرانية، واستدعى الأمين العام لوزارة الخارجية عبد الستار عيسى القائم بالأعمال الإيراني توفيق صمدي خوشخو، وسلّمه، في 13 آذار/مارس، رسالة تضمنت الاحتجاج المرفق مع مجموعة من الأسئلة عن النشاطات الإيرانية العسكرية والمالية في لبنان، طالبًا أجوبة، وفق الأصول المعمول بها، في غضون 24 ساعة.
لكن عوض أن تصل الأجوبة إلى وزارة الخارجية، أطلّ السفير شيباني، في 18 آذار/مارس، في وسائل إعلام موالية لـ”حزب الله”، من حيث شنّ هجومًا على وزارة الخارجية اللبنانية التي “تنفذ أجندة معادية”، وهاجم قرارات الحكومة التي جرّمت النشاطات العسكرية للحزب واعتبرها خاطئة، داعيًا إلى التراجع عنها!
عند هذا الحد، قرر وزير الخارجية يوسف رجّي أن يرفع مستوى التصدي. ارتأى، في خطوة تصعيدية أولية، أنّه لا بد من طرد السفير الإيراني. اتصل تباعًا برئيسي الجمهورية والحكومة، وأبلغهما باقتراحه، فوجدهما متحمسين جدًا لهذا القرار وموافقين عليه!
وفي ظل هذه الحماسة، طلب من دوائر الخارجية أن تعدّ الملف رسميًا، وأن تستدعي القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية لتبليغه قرار سحب أوراق اعتماد السفير الشيباني واعتباره “شخصًا غير مرغوب به”. وفي 24 آذار/مارس تبلّغ خوشخو من عيسى القرار، مع إعطاء مهلة تنفيذ تنتهي في 29 من الشهر نفسه. وفي الوقت نفسه، تمّ استدعاء سفير لبنان في إيران أحمد سويدان إلى الإدارة المركزية للتشاور.
أغضب هذا القرار إيران، وتحرك “الثنائي الشيعي” ب التكافل والتضامن ضده، وقدم الغطاء لرفض شيباني تنفيذ قرار وزارة الخارجية.
في المحصلة، لم يتم تنفيذ قرار الطرد، لكن في المقابل لم يعد يوجد لإيران سفير في لبنان إذ إنّ شيباني يقيم على الأراضي اللبنانية، من دون صلة من جهة ومن دون أوراق قانونية من جهة أخرى. أكثر من ذلك، لن تُرسل الخارجية سفير لبنان إلى إيران، وبالتالي تمّ تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، بحكم الأمر الواقع.
ولكن بغض النظر عن النتائج المباشرة، فإنّ ما حدث يحتاج إلى متابعة لصيقة نظرا لتداعياته السلبية على سمعة سلطة تحاول أن تقنع الخارج بأنها، فعلا، سيدة القرار في لبنان!
نشر في “المهار
