شدّد رئيس الحكومة البريطانية على الثمن الباهظ الذي دفعته بلاده، إذ قُتل 457 جنديًا بريطانيًا في أفغانستان وأُصيب مئات آخرون، كثير منهم بجروح خطِرة. ويُعدّ هذا العدد الأعلى بين حلفاء الولايات المتحدة، بعد الأميركيين الذين فقدوا 2461 جنديًا. وبصورة عامة، بلغ عدد القتلى من حلفاء واشنطن في أفغانستان 1160 جنديًا، فيما جرى نشر أكثر من 150 ألف عسكري بريطاني في آسيا الوسطى بين أيلول 2001 وآب 2021
أحدثت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول دور حلفاء الولايات المتحدة في حرب أفغانستان توترًا دبلوماسيًا ملحوظًا بين واشنطن ولندن، قبل أن يعود الرئيس الأميركي ويُخفف من حدّة موقفه في تراجع واضح، أشاد فيه بالقوات البريطانية وتضحياتها، في محاولة لاحتواء تداعيات سياسية وعسكرية متصاعدة.
تصريحات فجّرت الغضب البريطاني
وكان ترامب قد أثار موجة انتقادات واسعة عندما قلّل، في تصريحات إعلامية، من دور حلفاء حلف شمال الأطلسي، وفي مقدمتهم بريطانيا، خلال الحرب في أفغانستان، ملمّحًا إلى أن القوات الأميركية خاضت العبء الأكبر من المواجهات، وأن بعض الحلفاء «لم يكونوا على خطوط ا لنار».
وقد اعتُبرت هذه التصريحات في لندن إهانة مباشرة لتضحيات الجيش البريطاني، الذي فقد مئات الجنود خلال العمليات العسكرية في أفغانستان على مدى عقدين. وردّ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بلهجة حادة، واصفًا تصريحات ترامب بأنها «مهينة وغير مقبولة»، ومطالبًا باحترام سجلّ التحالف والتضحيات المشتركة.
وتوسّعت دائرة الانتقادات لتشمل شخصيات سياسية وعسكرية، وقدامى محاربين، إضافة إلى الأمير هاري الذي خدم في أفغانستان، معتبرين أن تصريحات ترامب تمسّ بالذاكرة المشتركة للتحالف الغربي بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر.
تراجع محسوب ومحاولة احتواء
أمام هذا الضغط السياسي والإعلامي، أصدر ترامب، بعد وقت قصير، موقفًا تراجعيًا واضحًا، أشاد فيه بـ الجيش البريطاني وشجاعة جنوده، معترفًا بالتضحيات التي قدّموها في أفغانستان إلى جانب القوات الأميركية.
وجاء في منشور لترامب أن القوات البريطانية كانت «محترفة وشجاعة، وقد وقفت دائمًا إلى جانب الولايات المتحدة»، في محاولة لإعادة ضبط الخطاب واحتواء تداعيات الأزمة مع أحد أقرب الحلفاء التاريخيين لواشنطن.
ويقرأ مراقبون هذا التراجع على أنه تصحيح سياسي اضطراري أكثر منه تبدّلًا في القناعة، خصوصًا في ظل حاجة واشن طن إلى الحفاظ على تماسك التحالفات الغربية في مرحلة تتسم بتوترات دولية متصاعدة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط.
أزمة أعمق من تصريح
تعكس هذه الحادثة توترًا أعمق في العلاقات عبر الأطلسي، مرتبطًا بنظرة ترامب التقليدية إلى الحلفاء، والتي تقوم على تحميلهم أعباءً أكبر في الأمن والدفاع، وإعادة تقييم كلفة التحالفات الأميركية الطويلة الأمد.
كما تطرح الأزمة تساؤلات حول إدارة الخطاب السياسي الأميركي تجاه الشركاء العسكريين، خصوصًا في ملفات حساسة تمسّ الذاكرة العسكرية المشتركة، حيث لا تُقرأ التصريحات فقط في سياقها السياسي الآني، بل في بعدها الرمزي والتاريخي.
