ما جرى في جنوب لبنان، من رشّ مواد كيميائية خطِرة فوق الأحراش والبساتين، ليس حادثاً تقنياً ولا تفصيلاً عسكرياً عابراً. هو فعل تتحمّل إسرائيل مسؤوليته الكاملة، باعتباره استهدافاً مباشراً للأرض والبيئة والإنسان، بصرف النظر عن منطق «الأرض المحروقة» الذي تضغط به في سياق سعيها إلى فرض منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، ومحاولة تأبيد نتائج ما تعتبره «هزيمة مؤقتة» ألحقتها بحزب الله.
فعندما تُستخدم مواد تتجاوز تركيزاتها المعدلات الآمنة بعشرات المرات، لا نكون أمام إجراء أمني، بل أمام أذى طويل الأمد، لا يزول بوقف إطلاق النار، ولا تُعالجه ترتيبات عسكرية، ولا يمحوه ترسيم حدود. أذى يصيب التربة والمياه والإنسان معاً، ويؤسس لخ سائر بيئية وزراعية تمتد لسنوات، بعيداً من أي حسابات ميدانية آنية.
لكن الحقيقة لا تكتمل إن توقفنا عند تحميل إسرائيل المسؤولية وحدها. فالجنوب ليس ساحة معزولة عن سياق أوسع، بل جزء من معادلة صراع مفتوحة، كان ولا يزال حزب الله أحد أطرافها الأساسية، سواء في قرار المواجهة أو في إدارة تبعاتها. وبين الضربات الإسرائيلية وردود الفعل، تُترك القرى الحدودية مرة أخرى في موقع المتلقي للخسائر، من دون أن يكون لأهلها رأي فعلي أو قدرة على التأثير في مسار الأحداث، في ظل بيئة مستسلمة لحزب يواجه الدولة من أجل سلاح بات، مهما ادّعى العكس الشيخ نعيم قاسم والحرس الثوري الإيراني، عاجزاً بكل المقاييس.
أما الدولة اللبنانية، فهي حتى تاريخه الحلقة الأضعف، على الرغم من محاولاتها المتكررة لإثبات حضورها. عجزٌ لا يبقى بلا نتائج، بل يُفيد إسرائيل، المدعومة على الأقل من الولايات المتحدة الأميركية. فطالما يملك حزب الله خطاباً تهديدياً عالياً، يصعب على أي طرف دولي أن يقف إلى جانب الدولة اللبنانية، التي تُصوَّر، رغم شعاراتها، كحالة متواطئة أو ملتبسة مع حزب حاضر في الحكومة وفي صناعة القرار.
النتيجة واحدة: أرض تُسمَّم، سكان يُهجَّرون بصمت، وخطاب عام يعلو فيما الفعل يغيب. بين عدوان موثّق، وصراع يُدار خارج الدو لة، وسلطة عاجزة عن القيام بوظيفتها الأساسية، يُترك الجنوب مرة أخرى وحيداً، بلا حماية فعلية ولا أفق واضح.
المطلوب اليوم ليس المزيد من الشعارات، بل توزيع واضح للمسؤوليات، وخطة علمية وقانونية وإعلامية تضع الاعتداءات البيئية في موقعها الصحيح. فالأرض لا تحيا بالخطابات، والعشب الذي يُحرق اليوم، ليس سوى إنذار مبكر لما قد يُترك لنا غداً إذا استمر هذا العجز المركّب.