لم يعد حصار مضيق هرمز حدثًا جيوسياسيًا عابرًا أو اضطرابًا محدودًا في سلاسل إمداد النفط، بل تحوّل إلى نقطة تحوّل مفصلية تهزّ أركان النظام الغذائي العالمي. فعندما يُغلق شريان يمرّ عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال، ونحو ثلث تجارة الأسمدة عالميًا، لا تتوقف التداعيات عند محطات الوقود، بل تمتد إلى رفوف الغذاء في دول تبعد آلاف الكيلومترات، لتطال موائد مليارات البشر.
وصفت وكالة الطاقة الدولية الوضع بأنه من أخطر التهديدات للأمن الغذائي في التاريخ الحديث، متجاوزًا في خطورته تداعيات حرب أوكرانيا عام 2022. فالعالم يواجه اليوم “عاصفة كاملة”: تزامن نادر بين موقع استراتيجي حساس، وتوقيت زراعي حرج، وتأثير متشعّب يضرب في آن واحد ركائز الزراعة الحديثة الثلاث: الطاقة، والنقل، والأسمدة.
ضربة ثلاثية للزراعة العالمية
يُعدّ الخليج العربي مركزًا رئيسيًا لإنتاج الأسمدة، حيث تستحوذ إيران ودول الخليج على أكثر من ثلث الصادرات العالمية. وتؤمّن قطر وحدها نحو 11% من الاستهلاك العالمي لليوريا، فيما تأتي قرابة 45% من الشحنات من مصانع الخليج، وفق تقديرات بلومبيرغ.
ويأتي الحصار في توقيت بالغ الحساسية، قبيل موسم الزراعة الربيعي، ما يؤدي إلى سلسلة تداعيات متسارعة: نقص حاد في الأسمدة، تراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع سريع في أسعار الغذاء عالميًا.
لم تعد الأزمة لوجستية أو طاقوية فحسب، بل تحوّلت إلى تهديد استراتيجي مباشر، خصوصًا للدول الهشّة في أفريقيا وآسيا، مع قابلية أي تصعيد إضافي—سواء عبر توسيع العمليات العسكرية أو تهديدات الملاحة—لتحويل الأزمة إلى صدمة عالمية و اسعة النطاق.
الخليج على حافة الاختناق
بالنسبة لدول الخليج، لا يُعدّ إغلاق مضيق هرمز مجرد اضطراب، بل تهديدًا وجوديًا. فالمنطقة، التي تضم نحو 100 مليون نسمة وتعتمد على الاستيراد لتأمين قرابة 90% من غذائها، تمرّ أكثر من 70% من وارداتها عبر المضيق.
يهدد الحصار تدفّق نحو 30 مليون طن من الحبوب سنويًا، ويعزل موانئ محورية مثل جبل علي وخليفة خلال وقت قياسي. أما البدائل، فمكلفة ومحدودة: النقل الجوي يرفع الأسعار بشكل كبير، والطرق البرية تكشف هشاشة البنية التحتية، خصوصًا للدول التي تعتمد كليًا على المسارات البرية عبر السعودية.
ومع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واستمرار التهديدات في البحر الأحمر، تجد المنطقة نفسها أمام مزيج خطير يدفعها نحو حافة أزمة مركبة.
تداعيات تمتد من آسيا إلى أفريقيا
تتجلّى خطورة الأزمة في تأثيرها المباشر على الدول النامية. ففي أفريقيا جنوب الصحراء، يقترب الوضع من كارثة إنسانية، مع اعتماد دول مثل إثيوبيا على واردات الأسمدة الخليجية بنسبة تصل إلى 90%.
كما تشهد دول مثل كينيا والصومال وتنزانيا والسودان ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الغذاء، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي في مناطق تعاني أصلًا من الجفاف والتغير المناخي.
وفي جنوب آسيا، تبدو باكستان وبنغلاديش في دائرة الخطر، بينما تواجه الهند—التي يبلغ عدد سكانها نحو 1.48 مليار نسمة—تهديدًا مزدوجًا يتمثل في تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع الأسعار، ما قد يقود إلى اضطرابات واسعة.
إعادة تشكيل ميزان القوى الغذائي
في خضم الأزمة، تختلف مواقف القوى الكبرى. فبينما تواجه الدول الغربية ضغوطًا تضخمية متصاعدة، قد يواجه نحو 45 مليون شخص إضافي خطر المجاعة الحادة عالميًا، وفق برنامج الأغذية العالمي.
في المقابل، تستفيد روسيا من موقعها كقوة كبرى في تصدير الحبوب والأسمدة، مع ارتفاع الطلب العالمي على منتجاتها، رغم المخاطر المرتبطة بتباطؤ الطلب الآسيوي.
أما في الولايات المتحدة، فقد بدأ المزارعون بالفعل تعديل أنماط الزراعة، بالتحول من الذرة إلى فول الصويا الأقل استهلاكًا للأسمدة، ما ينذر بانخفاض إضافي في المعروض العالمي من الحبوب.
أزمة متعددة الأنظمة
تكشف أزمة هرمز 2026 عن واقع جديد: لم تعد الأزمات تُقاس بحدود جغرافية أو قطاعية. إنها أزمة متعددة الأنظمة تضرب في آن واحد الطاقة، والغذاء، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا.
إلى جانب الغذاء، تمتد التداعيات إلى نقص الغازات الصناعية مثل الهيليوم والنيون، وتأخير في سلاسل توريد الرقائق الإلكترونية، وارتفاع كبير في تكاليف النقل البحري والجوي.
خاتمة
لم يعد إغلاق مضيق هرمز مجرد “أزمة طاقة”، بل هجوم مركّب على صميم الأمن الغذائي العالمي. وفي عالم شديد الترابط، تصبح القدرة على التكيّف والاستعداد المسبق العامل الحاسم بين احتواء الصدمة والانزلاق نحو كارثة إنسانية.
وبينما تستمر التداعيات بالتصاعد، يبدو أن العالم دخل مرحلة جديدة، حيث يمكن لاختناق ممر بحري واحد أن يعيد رسم خريطة الغذاء والاستقرار على مستوى الكوكب بأسره.
