يثير تردّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شنّ هجوم عسكري على إيران تساؤلات واسعة في العالم. فالرجل الذي لا يُخفي استعداده لاستخدام القوة، يبدو متحفّظًا عندما يتعلّق الأمر بحرب قد تكون طويلة ومكلفة ومن دون «نصر واضح». هذا التردّد ليس جديدًا، إذ سبق لترامب أن ألغى ضربة عسكرية على إيران خشية الانزلاق إلى تصعيد واسع، وهو موقف يتقاطع مع نزعة انعزالية واضحة داخل البيئة السياسية المحيطة به.
معسكر الهجوم: ضغط إسرائيلي وصقور واشنطن
إلى جانب إسرائيل، التي تصعّد ضغوطها على الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاتخاذ إجراء عسكري ضد إيران، يقف الصقور الجمهوريون التقليديون. هذا هو المعسكر الأيديولوجي الأكثر تأييدًا للهجوم. ومن أبرز رموزه جون بولتون، الشخصية الأكثر ارتباطًا بالدعوة إلى شنّ ضربة استباقية على إيران، وهو مستشار سابق للأمن القومي دعم هذا الخيار علنًا وكتب مقالات تدعو إليه.
ويبرز أيضًا مايك بومبيو، وزير الخارجية ومدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق، الذي أيّد نهج «الضغط الأقصى» مع إبقاء خيار استخدام القوة حاضرًا. وينضم إلى هذا المعسكر عدد من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب المتشدّدين، مثل السيناتور الجمهوري توم كوتون، الذي يدعم علنًا الضربة العسكرية باعتبار أن «إيران لا تفهم إلا القوة»، إضافة إلى السيناتور المخضرم ليندسي غراهام.
كما تحظى فكرة الهجوم بدعم مؤسسات بحثية نافذة، من بينها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ومعهد أمريكان إنتربرايز، إلى جانب شخصيات مؤثرة في إيباك، فضلًا عن الإنجيليين المحا فظين. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، يُعدّ هذا الموقف طبيعيًا ومفهومًا، بينما يُنظر إليه في واشنطن أحيانًا على أنه أيديولوجي وتصعيدي، ومنفصل عن كلفة حرب جديدة في الشرق الأوسط.
معسكر التريّث: ثلاث قوى كابحة
في المقابل، تقف ثلاث مجموعات رئيسية ضد خيار الهجوم، وتدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق، ولو جزئي ومحدود، مع إيران، انطلاقًا من قناعة مشتركة مفادها أن الهجوم الأميركي قد يُكلّف أكثر مما يُفيد.
المجموعة الأولى ليست أميركية، بل إقليمية. فهي تضم دول ما يُعرف بمحور «البراغماتيين» السنّي، مثل السعودية ومصر وقطر وتركيا، التي تخشى أن يؤدّي أي هجوم على إيران إلى ردود فعل متسلسلة قد تُشعل حربًا إقليمية واسعة وتزعزع استقرار الشرق الأوسط بأكمله. وتوجّه هذه الدول رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن ضربة عسكرية على إيران قد تفتح مسارات يصعب احتواؤها.
المجموعة الثانية تضم شخصيات بارزة من المؤسسة الأمنية والدبلوماسية الأميركية السابقة، في البنتاغون ووزارة الخارجية. ولا تنطلق هذه المجموعة من موقف «حمائمي» أيديولوجي، بل من تقييم مهني بارد. من بين أسمائها لويد أوستن، ومارك ميلي، إضافة إلى مسؤولين سابقين في القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، وأنتوني بلينكن، وويندي شيرمان.
حجّة هؤلاء بسيطة: إذا لم يكن الهدف هو إسقاط النظام في طهران — وهو هدف لا يرغب أحد في واشنطن بدفع ثمنه — فلا منطق استراتيجيًا لشنّ حرب. فالضربة الجوية، مهما بلغت دقّتها، لا تغيّر النظام، بل قد تؤدّي في أحسن الأحوال إلى تأجيل البرامج النووية وتوحيد الرأي العام الإيراني حول السلطة القائمة.
المجموعة الثالثة هي المحافظون الانفصاليون وأنصار شعار «أميركا أولًا»، من اليمين واليسار معًا. ويطالب هؤلاء بالتركيز على الشؤون الداخلية الأميركية، ويرفضون التورّط في نزاعات خارجية جديدة. من أبرز أصواتهم الإعلامي تاكر كارلسون، والسيناتور راند بول، إضافة إلى شخصيات من اليسار التقدّمي مثل بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز*.
بحسب هذا التيار، طالما لم تشن إيران هجومًا مباشرًا على الولايات المتحدة، فلا مبرّر لإرسال قوات أو استنزاف الموارد والمخاطرة بحرب لا أفق واضحًا لها. ولهذا، ورغم ضجيجه الإعلامي، يبقى المعسكر المؤيد للهجوم قويًا أيديولوجيًا لكنه ضعيفًا مؤسسيًا
