يمكن ان يُنسب موقف السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، العلني والأول من نوعه، عن حق اليهود التاريخي في ان تمتد دولتهم من النيل الى الفرات، الى واحد من تلك “السجالات الفكرية” التي تشهدها إدارة الرئيس دونالد ترامب بين الحين والاخر، وتتجسد هذه المرة في خلاف حاد بين السفير الفذ هاكابي، وبين زميله اللامع طوم باراك الذي سبق ان أعلن ان زمن تقسيمات معاهدة سايكس بيكو قد انتهى، لأنه كان خطأ غربياً لن يتكرر، برغم ان إسرائيل وحدها هي التي لا تعترف اليوم بتلك الخرائط المشرقية.
ولولا العلم بطبيعة ترامب وفريقه الذي يضم مجموعة وزراء ومستشارين، من خارج البيروقراطية الأميركية، من أنصاف الاميين، وشذاذ الافاق، ولاعقي الأحذية، وحتى أصحاب السوابق، لأمكن القول مثلا أن ذلك الخلاف المفترض بين السفيرين ما هو إلا شهادة من هاكابي على انتصار رأيه على وجهة نظر باراك.. والتمهيد لتوسيع حدود دولة إسرائيل الأسطورية ما بين النيل والفرات، بما يمحو خرائط سايكس بيكو الاستعمارية التي يبدو ان أغلب “العقاريين” في الإدارة الحالية، لايطيقونها او لا يعترفون بها.
لكن الامر قد لا يعدو كونه مجرد صدفة، تجمع بين تعصب السفير هاكابي الاعمى لإسرائيل، وبين تعصب السفير باراك الشديد لتركيا، وبين احتقار الرجلين معا ل”القبائل” العربية التي تعيش بين النيل والفرات بناء خرائط أوروبية استعمارية مفتعلة، من دون استثناء للخريطة اللبنانية الخاصة التي أُسند الاشراف عليها الى الخبيرة المحلّفة مورغان اورتغوس..قبل ان يُسحب منها ذلك التفويض لاسباب لا علاقة لها بأي خلاف جغرافي تشهده منطقة المشرق.
والى هذه النماذج من المبعوثين الاميركيين يضاف إسم أكثرهم أهمية: ستيف ويتكوف الذي تضعه صعوبات النطق واللغة والثقافة، خارج هذا التقييم الدبلوماسي، برغم انه تولى وقف حرب غزة ( التي لم تتوقف يوماً منذ خريف العام 2023)، وما زال يجرب حظه في وقف حرب روسيا الأوكرانية من دون المس ب”الصداقة الحميمة” بين رئيسه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.. وهو الان يحبس أنفاس العالم كله بانتظار أي كلمة يتلعثم بها، حول فرص وقف الحرب على ايران، برغم انه كشف بالأمس ان ترامب يستغرب صمود النظام الإيراني أمام الضغط العسكري الهائل حالياً..مع ان التفاوض الثنائي بين البلدين، هو، في حده الأدنى، يحرر القيادة الإيرانية من ذلك الضغط.
…لكنها أميركا التي بلغت في السياسة والدبلوماسية مراتب لم يسبق لها مثيل في تاريخ العلاقات الدولية، سواء في هجومها الجوي على نيجيريا عشية الميلاد الماضي، دفاعاً عن المسيحيين الذين يتعرضون لمذابح قدّم الأدلة عليها صاحب محل خردة ومفكات براغي نيجيري، وتولت وزارة الدفاع الأميركية التغطية على فضيحة استخدام القوات الجوية بناء على مواد استخبارية كاذبة.. او في الهجوم الذي أمر به ترامب لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيلينا فلوريس، على أمل ان يكون ذلك الهجوم رادعاً لإيران او حافزا لها.
تزول الدهشة فوراً عندما يتنبه المتابع لاخبار ا لحرب والسلم، وترسيم الخرائط الدولية، الى أن صنّاع هذه الاخبار المثيرة وعلى رأسهم الرئيس دونالد ترامب وفريقه ليسوا ثلة من الثرثارين، محبي الظهور اليومي في الاعلام، ولا هم مجموعة من المنافقين الذين يعملون لإشاعة الاعتقاد بأن الرئيس يعرف ما يقول وما يقصد، ويدرك ماذا يفعل وماذا يريد.. وهو بالتالي ليس تجسيداً لملكٍ مزيف يتقن لعبة نشر الاكاذيب والاوهام والحروب التي لا تنتهي.
