يواجه جوردان بارديلا، رئيس حزب «التجمع الوطني» الفرنسي وحليف مارين لوبان، أزمة سياسية وإعلامية جديدة بعدما نشر موقع التحقيقات الفرنسي «ميديا بارت» سلسلة من الرسائل الخاصة التي قال إنها تعود إلى السنوات الأولى من مسيرته السياسية، وتتضمن عبارات معادية للسامية ونظريات مؤامرة حول اليهود وإسرائيل والمصارف.
وتعود الرسائل، بحسب «ميديا بارت»، إلى الفترة بين عامي 2013 و2015، عندما كان بارديلا في بداية نشاطه داخل «الجبهة الوطنية»، الاسم السابق لـ«التجمع الوطني». وكان بارديلا في السابعة عشرة من عمره عند بداية الفترة التي تتناولها الرسائل، وأتم عامه الثامن عشر في سبتمبر/أيلول 2013.
ويقول «ميديا بارت» إنه اطلع على عشرات المحادثات المكتوبة، وإنه تمكن من التحقق من صحتها بصورة مستقلة، كما استعان بشهادات أشخاص كانوا على صلة بالأوساط السياسية التي كان يتحرك فيها بارديلا آنذاك. لكن الموقع لم ينشر كامل المحادثات، بل نشر مقتطفات منها.
ماذا تقول الرسائل؟
من بين العبارات التي نسبها التحقيق إلى بارديلا قوله إن «جميع المصارف يملكها اليهود»، وهي عبارة تندرج ضمن إحدى أكثر نظريات المؤامرة المعروفة حول السيطرة اليهودية على النظام المالي.
كما نسب إليه حديثاً عن أن «اليهودي يجب أن يهيمن على الشعوب الأخرى»، وربط بين الصهيونية واليهودية، وتحدث عن «نظام عالمي جديد» تهيمن عليه إسرائيل وتكون القدس عاصمته.
وفي رسائل أخرى، وفقاً لما نشره «ميديا بارت» ونقله «لوموند»، تحدث الكاتب عن وجود مسؤولين فرنسيين يقدّمون مصالح إسرائيل والمصارف على المصالح الفرنسية، وربط بين الصهيونية و«هيمنة المصارف»، مشيراً إلى مؤسسات وشخصيات مالية معروفة.
وتقول الصحيفة الفرنسية إن مضمون الرسائل لا يقتصر على عبارات معادية لليهود، بل يتضمن أيضاً عناصر من نظريات المؤامرة التي كانت منتشرة في بعض أوساط اليمين المتطرف الفرنسي في تلك الفترة.
بارديلا: «تزوير فاضح»
بارديلا رفض الاتهامات بشكل قاطع، وقال إن العبارات المنسوبة إليه ليست له، سواء قيلت أو كتبت، في العلن أو في محادثات خاصة.
ووصف ما نشره «ميديا بارت» بأنه «تزوير فاضح» و«عملية تلاعب»، واتهم الموقع بمحاولة الإضرار به وبحزب «التجمع الوطني» قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية.
كما أعلن أن ه تقدم بشكوى بتهمة التشهير ضد «ميديا بارت».
وقال بارديلا إن ما يجري هو بداية «حرب شاملة» ومحاولة لزعزعة الحملة الانتخابية، في وقت يستعد فيه «التجمع الوطني» لخوض الاستحقاق الرئاسي المقبل.
لوبان تدخل على الخط
مارين لوبان سارعت إلى الدفاع عن بارديلا، ورفضت الاتهامات التي نشرها «ميديا بارت»، معتبرة أنها لا تصدق وأنها محاولة سياسية لضرب الحزب.
وظهرت لوبان وبارديلا، إلى جانب حليفهما إريك سيوتي، في موقف موحد أمام نواب الحزب، في محاولة لإظهار أن القضية لم تؤثر في تماسك القيادة.
وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى لوبان، لأن بارديلا ليس مجرد رئيس للحزب، بل هو الشخصية التي اختارتها ليكون رئيساً للوزراء في حال وصولها إلى قصر الإليزيه.
لماذا القضية حساسة بالنسبة إلى «التجمع الوطني»؟
تكمن حساسية القضية في تاريخ الحزب نفسه.
فـ«التجمع الوطني»، الذي كان يُعرف سابقاً باسم «الجبهة الوطنية»، أمضى سنوات في محاولة التخلص من صورته القديمة وإبعاد نفسه عن التصريحات المعادية للسامية والعنصرية المرتبطة ببعض قياداته التاريخية.
وكان جان ماري لوبان، مؤسس الحزب ووالد مار ين لوبان، قد أدين عدة مرات بتهم مرتبطة بخطاب الكراهية والعنصرية، كما أثارت تصريحاته حول المحرقة النازية جدلاً واسعاً لعقود.
ولهذا عملت مارين لوبان على ما يُعرف داخل الحزب بسياسة «التطبيع» أو «إزالة الشيطنة» (Dédiabolisation)، في محاولة لتقديم «التجمع الوطني» كحزب قادر على ممارسة السلطة وليس كحركة احتجاجية من اليمين المتطرف.
وفي السنوات الأخيرة، حاول الحزب أيضاً بناء علاقات أكثر انفتاحاً مع إسرائيل والجالية اليهودية الفرنسية، خصوصاً بعد هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقدم نفسه باعتباره قوة سياسية تواجه معاداة السامية.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تأتي الاتهامات الجديدة في توقيت حساس.
علاقة قديمة بأوساط مثيرة للجدل
«لوموند» أشار كذلك إلى أن التحقيق يعيد فتح النقاش حول علاقات بارديلا وبعض المقربين منه بأوساط مرتبطة بالكاتب اليميني المتطرف آلان سورال، المعروف بخطابه المعادي للسامية ونظريات المؤامرة.
وتشير الصحيفة إلى أن أحد المقربين من بارديلا في تلك المرحلة، فرنسوا بارادول، كان قد غادر حركة «المساواة والمصالحة» المرتبطة بسورال في أوائل العقد الماضي، قبل أن يصبح لاحقاً من العاملين مع بارديلا.
كما أشارت إلى أن أحد كتّاب خطابات بارديلا، دوناتيان فيريه، كان قد أوصى في وثيقة داخلية بكتاب لسورال قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2012.
وهذه المعطيات لا تثبت في حد ذاتها صحة الرسائل المنسوبة إلى بارديلا، لكنها تفسر لماذا أصبح ماضيه السياسي محوراً للتدقيق بعد نشر التحقيق.
حساب إلكتروني مثير للجدل
القضية أعادت أيضاً إلى الواجهة قضية حساب مؤيد لمارين لوبان على منصة «تويتر» قالت تحقيقات تلفزيونية فرنسية في عام 2024 إنه يعود إلى بارديلا.
بارديلا نفى استخدام الحساب، رغم ما قالت التحقيقات إنه أدلة تؤيد نسبته إليه، ولم يتقدم آنذاك بشكوى ضد البرنامج التلفزيوني.
وكان الحساب قد نشر في عام 2015 رسالة تشيد بآلان سورال.
وتقول «لوموند» أيضاً إن الرسائل التي نشرها «ميديا بارت» تتضمن إشادات منسوبة إلى بارديلا بتحليلات سورال وبما وصفه بـ«المعركة الحقيقية للأفكار» التي خاضها الممثل السابق ديودونيه، الذي صدرت بحقه أحكام قضائية عدة في قضايا مرتبطة بالتحريض على الكراهية ومعاداة السامية.
من المفارقة إلى إسرائيل
المفارقة السياسية أن بارديلا نفسه أصبح لاحقاً أحد أبرز وجوه التحول الذي أراد ت مارين لوبان إظهاره في صورة الحزب.
وفي عام 2024، زار بارديلا القدس والتقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في لقاء خاص، كما قام بجولة خاصة في متحف «ياد فاشيم» لتخليد ذكرى ضحايا المحرقة.
ومنذ هجمات 7 أكتوبر، ركز «التجمع الوطني» بصورة متزايدة على مكافحة معاداة السامية، وربطها خصوصاً باليسار المتطرف.
وهذا التحول يجعل الاتهامات الحالية أكثر حساسية، لأنها تضع ماضي بارديلا المزعوم في مواجهة الصورة السياسية التي يحاول الحزب ترسيخها اليوم.
قضية تتجاوز بارديلا
وتتجاوز القضية شخصية بارديلا نفسها، لأنها تمس أحد الملفات الأكثر حساسية في مسار «التجمع الوطني»: هل نجح الحزب فعلاً في تغيير صورته القديمة، أم أن بعض الأفكار التي ارتبطت به في الماضي لا تزال حاضرة في أوساطه؟
رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، يوناتان أرفي، قال إن صحة الاتهامات ستكون مهمة بالنسبة إلى صورة الحزب وتحوله السياسي.
أما قيادة «التجمع الوطني»، فتعتبر القضية محاولة لضرب الحزب في مرحلة سياسية حساسة.
وهكذا تحولت رسائل يُقال إنها تعود إلى أكثر من عقد إلى قضية سياسية كبيرة في فرنسا، ليس فقط بسبب مضمونها، بل لأن الشخص الذي نُسبت إليه هو اليوم رئيس «التجمع الوطني»، وأحد أبرز وجوه الحزب، والشخص الذي تطرحه مارين لوبان لرئاسة الحكومة في حال وصولها إلى الرئاسة.
