تشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً غير مسبوق على أكثر من مستوى، سياسيّاً وحقوقيّاً وعسكريّاً، وسط مؤشرات متراكمة توحي بأن الأزمة دخلت مرحلة مفتوحة يصعب احتواؤها بالمسارات الدبلوماسية التقليدية. فالتوتر القائم لم يعد محصوراً في تبادل الرسائل السياسية أو العقوبات الاقتصادية، بل بات مشهداً مركّباً تتداخل فيه الاحتجاجات الداخلية، والضغط الدولي، والاستعدادات العسكرية.
لافتات «دومينو السقوط» ورسائل الداخل
في طهران، أثارت لافتات رُفعت في شوارع العاصمة تحمل عبارة «دومينو السقوط»، وتستحضر مصير الرئيس العراقي السابق صدام حسين، دلالات سياسية لافتة في توقيتها ومضمونها. ورغم الطابع الرمزي لهذه اللافتات، فإنها عكست مناخاً تعبويّاً داخليّاً يتزامن مع تصعيد غير مسبوق في الخطاب الإيراني تجاه واشنطن والرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وجاءت هذه الرسائل البصرية في لحظة حساسة، تتداخل فيها محاولات شدّ العصب الداخلي مع تحذيرات خارجية متصاعدة، ما يعكس حالة قلق داخل دوائر القرار الإيرانية من انتقال الضغوط إلى مستوى يصعب ضبطه.
قمع دموي وقلق دولي متزايد
يتزامن هذا المشهد مع قمع دموي واسع للاحتجاجات داخل إيران، حيث أفادت تقارير حقوقية متقاطعة بسقوط نحو 20 ألف قتيل منذ اندلاع موجة الاضطرابات الأخيرة. وقد حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من حملة اعتقالات واسعة شملت متظاهرين وناشطين ومحامين، وحتى جرحى جرى توقيفهم من داخل المستشفيات، في سلوك وصفته الأمم المتحدة بأنه تصعيد خطير وغير مسبوق.
وعلى وقع هذه التطورات، صوّت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على توسيع وتعميق ولاية المحققين الدوليين المكلّفين بجمع الأدلة حول الانتهاكات في إيران، في خطوة تعكس تنامي القلق الدولي، وتفتح الباب أمام مسار مساءلة أوسع قد يتجاوز الإدانة السياسية إلى الملاحقة القانونية.
العقوبات: ربط الاقتصاد بالقمع
بالتوازي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة استهدفت ما يُعرف بـ «أسطول الظل» الإيراني، وشملت سفناً وشركات متهمة بتهريب النفط الإيراني واستخدام عائداته في تمويل القمع الداخلي.
وأكدت واشنطن أن هذه العقوبات تأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى تجفيف مصادر تمويل النظام الإيراني، وربط الضغط الاقتصادي مباشرة بانتهاكات حقوق الإنسان، في محاولة لنقل المواجهة من مستوى العقوبات التقليدية إلى مستوى الضغط البنيوي طويل الأمد.
حشود عسكرية واستعدادات غير مسبوقة
لكن المشهد لا يقتصر على السياسة والاقتصاد. فعلى المستوى العسكري، تواصل الولايات المتحدة حشداً واسعاً لقواتها في الشرق الأوسط، يشمل حاملة طائرات ومجموعتها الضاربة، وسفناً حربية، وغواصات، وأكثر من مئة طائرة مقاتلة، إلى جانب أنظمة دفاع صاروخي، وطائرات استطلاع وتزوّد بالوقود.
كما رُصد وصول عشرات طائرات الشحن العسكرية الأميركية إلى المنطقة، في تحركات أعادت إلى الأذهان سيناريوهات التصعيد التي سبقت مواجهات كبرى في المنطقة.
وفي هذا السياق، يتوافد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى إلى إسرائيل، من بينهم قائد القيادة المركزية الأميركية، ومستشارون ومبعوثون خاصون، في مؤشر إلى تنسيق سياسي–عسكري مكثف يتجاوز الملفات الفلسطينية، ويطال بشكل مباشر الملف الإيراني.
وتقدّر أوساط أمنية إسرائيلية أن خيار الضربة العسكرية الأميركية بات مطروحاً بجدية أكبر من مسار التفاوض، رغم التصريحات العلنية التي لا تزال تُبقي باب الحوار موارباً.
طهران تلوّح بـ«الحرب الشاملة»
في المقابل، أطلقت طهران تحذيرات شديدة اللهجة. إذ قال مسؤول إيراني رفيع إن بلاده ستتعامل مع أي هجوم، مهما كان شكله أو حجمه، على أنه «حرب شاملة»، مؤكداً أن القوات الإيرانية في حالة استنفار قصوى، وأن الرد سيكون «الأقسى الممكن».
هذا التصعيد في الخطاب يعكس استعداداً نفسياً وسياسياً لمرحلة تتجاوز الردع التقليدي، وتفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة.
ارتدادات مدنية ومشهد مفتوح
وعلى وقع هذا التصعيد المتعدد المسارات، بدأت التداعيات تطال المجال المدني، مع إلغاء عدد كبير من شركات الطيران الدولية رحلاتها إلى إسرائيل والمنطقة، تحسّباً لتدهور أمني مفاجئ.
بهذا المعنى، تبدو المواجهة الأميركية–الإيرانية وقد انتقلت من مرحلة الضغط المتدرّج إلى مرحلة تراكُم الإشارات الخطرة: قمع داخلي دموي، عقوبات مشددة، قرارات أممية، وحشود عسكرية كثيفة.
وهي عناصر تُنذر بأن «دومينو السقوط» الذي رُفع شعاراً في شوارع طهران، قد لا يبقى مجرّد رسالة رمزية، بل عنواناً لمرحلة إقليمية شديدة الاضطراب، يصعب التنبؤ بمداها أو كلفتها.
