يرتبط اسم مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان بالحسابات الاستراتيجية والمعارك العسكرية، لكنه في الحقيقة أكثر ارتباطاً بالهجرات والنزوح. وربما لا يتّسع المجال هنا لذكر عدد المرات التي خلت فيها المدينة من أهلها، بسبب موقعها الذي كان بوابة الجنوب على الجليل، فصار بوابته على أميركا.
تبدأ الحكاية الموثّقة مطلع القرن العشرين، حين هاجر أحد أبنائها من آل حمود إلى الولايات المتحدة، معبّداً طريق الهجرة لأبناء مدينته. أعقب ذلك غرق أربعة مهاجرين من أبناء المدينة كانوا يقصدون نيويورك، في حادثة “تيتانيك” عام 1912.
في عام 1920، تمرّد الجنوب اللبناني على إعلان “دولة لبنان الكبير”، وآثر البقاء ضمن سوريا الكبرى، فاندلعت أحداث طائفية دامية، خاصة بين أهالي بنت جبيل (الشيعة) وعين إبل (الموارنة). عندها تدخّل الكولونيل الفرنسي نيجر على رأس أربعة آلاف جندي لنصرة الموارنة، قائلاً عبارته الشهيرة: “لن أرضى مقابل شهداء عين إبل إلا بتاج الملك فيصل”، فأحرق المدينة انتقاماً لحرق كنيسة عين إبل، فغادر معظم أهلها إلى فلسطين، في ثاني موجات الهجرة.
في ثلاثينات القرن الماضي، انتقل الكثير من شبانها إلى حيفا وجنين ليكونوا جزءاً من الحركة المسلحة التي قادها عز الدين القسام ضد الاحتلال البريطاني، وكانت تلك ثالث موجات الهجرة.
بعد إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، تحولت بنت جبيل إلى ملتقى لجيوش الإنقاذ العربية، ومنذ ذلك الحين أصبحت خط تماس أول مع الا حتلال. شكّل ذلك محطة مفصلية في تاريخ الهجرة، التي تكثّفت واتجهت نحو الولايات المتحدة، فـأُغلقت بوابتها على الجليل وفُتحت على أميركا.
الهجرة الكبرى جاءت عام 1968، بعد زيارة السفير الأميركي في بيروت، الذي لفته انتشار مصانع الأحذية في المدينة. وبعد شهرين، نشرت صحيفة “النهار” إعلاناً: “الولايات المتحدة الأميركية تفتح أبواب الهجرة لعمال الأحذية”، أي عملياً لأهالي بنت جبيل.
يقول أحد أبناء المدينة إن هذا الاهتمام الأميركي لم يكن بدافع الكرم، بل لتخفيف الثقل الديموغرافي على حدود إسرائيل.
مع “اتفاق القاهرة” عام 1969، خُصّص جزء من الجنوب للمقاومة الفلسطينية، فعُرف بـ“فتح لاند”، وتحولت بنت جبيل إلى قاعدة متقدمة للعمل الفدائي. وفي العام التالي، تعرضت لأول هجوم إسرائيلي، سقطت خلاله عشرات القذائف وتسببت بتهجير واسع. وفي عام 1976 شهدت إخلاء قسرياً باتجاه القرى المجاورة، فتداخلت الهجرات الداخلية والخارجية.
إثر “عملية الليطاني” عام 1978، احتلت إسرائيل المنطقة الواقعة جنوب النهر، ضمن ما عُرف بـ“الشريط الحدودي”، وكانت بنت جبيل ضمنها. تهجّر معظم سكانها، ولم يبقَ فيها سوى نحو 500 شخص، واستمر الاحتلال حتى عام 2000.
خلال تلك الفترة، تسارعت الهجرة نحو الولايات الم تحدة، حيث تركز أبناء المدينة في ديترويت بولاية ميشيغن، حتى بلغ عددهم نحو 40 ألفاً، وأطلقوا عليها “جمهورية بنت جبيل”.
حاليا، يشغل مو بيضون، ابن إحدى أبرز عائلات المدينة، منصب عمدة ديربورن في ميشيغن. كما حظي صاحب المطعم اللبناني حسن عباس بشهرة واسعة، بعدما أجبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال زيارته في حملته الانتخابية عام 2024، على توقيع تعهد بوقف الحرب على غزة مقابل دعم الجالية.
في كتابه “بنت جبيل – ميشيغن”، يصوّر الكاتب أحمد بيضون تمسّك أبناء المدينة بهويتهم، وكأنهم حملوا مدينتهم في حقائبهم ونشروها في المهجر، في اللغة والعادات والروائح والنكهات.
بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، عاد كثير من أبنائها، لكن هذه العودة لم تدم طويلاً. ففي حرب يوليو/تموز 2006، عادت بنت جبيل إلى قلب المواجهة، وشهدت معارك عنيفة بين إسرائيل و“حزب الله” دمّرت ما أُعيد بناؤه.
أُعيد إعمار المدينة بعد الحرب، لكنها فقدت كثيراً من طابعها التراثي. ولم يحصل عدد من تجارها على تعويضات، فيما تحوّل سوقها الجديد إلى مشروع تديره جمعية “جهاد البناء” التابعة لـ“حزب الله”.
في “حرب الإسناد” الأولى تهجّرت المدينة بالكامل، رغم محدودية الدمار مقارنة بمحيطها، ثم عاد بعض السكان قبل أن ينزحوا مجدداً في جولة القتال التالية.
اليوم، تبدو بنت جبيل فارغة بالكامل، في أخطر موجة تهجير في تاريخها. فمنذ أسابيع تدور معارك كرّ وفرّ بين “حزب الله” وإسرائيل للسيطرة عليها، مع تقارير عن دخول الجيش الإسرائيلي إلى المدينة وتمركزه في نقاط عدة، أبرزها السوق التجاري.
تكتسب المعركة أهمية استراتيجية كبيرة؛ فمن يسيطر على بنت جبيل يتحكم بالقطاع الأوسط، ويؤمّن موقعاً نارياً مؤثراً على القطاعين الغربي والشرقي.
تعتمد القوات الإسرائيلية، وفق المعطيات الميدانية، على أسلوب الالتفاف وقطع الإمدادات، بينما يعتمد “حزب الله” تكتيك “عدم التشبث بالجغرافيا”.
وفي حال سيطرة إسرائيل على المدينة، فإن ذلك يعني: • انتصاراً عسكرياً: عبر فتح الممرات من وادي السلوقي إلى وادي الحجير وصولاً إلى نهر الليطاني. • انتصاراً جغرافياً: بالتحكم بقلب القطاع الأوسط الفاصل بين صور ومرجعيون. • انتصاراً معنوياً: لكونها تُعرف بـ“عاصمة حزب الله”.
في المقابل، يدفع “حزب الله” بثقله العسكري للحفاظ عليها، لما تمثله من رمزية تعود إلى “خطاب النصر” الذي ألقاه أمينه العام الراحل حسن نصرالله عام 2000، حين قال: “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”.
بنت جبيل، أكبر مدينة شيعية حد ودية، تُعد مركز قضاء يضم 36 قرية، وتمتاز بتاريخ ثقافي وإداري مبكر. لكنها أيضاً المدينة التي لم يطأ أرضها أكثر من نصف أبنائها، بسبب الهجرات المتكررة.
بعد عام 2000، كرّسها “حزب الله” رمزاً للتحرير، في محاولة لإعادة تعريف هويتها، إلا أن هذه الهوية بقيت موضع جدل، بين تاريخها المتعدد وانخراطها في الصراع الإقليمي.
وعلى مدى سنوات، تحوّلت المدينة إلى نموذج لواقع الجنوب المتداخل بين السياسة والحرب والهجرة.
قديماً، رفضت بنت جبيل أن تكون جزءاً من لبنان الكبير فأُحرقت، واليوم، وهي تقف على خط تماس جديد، تبدو كأنها تُحرق مرة أخرى.
المجلة
