في بلد منهار اقتصاديًا، تحوّلت تذكرة السينما إلى كلفة تُقاس قبل الرغبة. أسعار تتراوح بين 5 و8 دولارات، إقبال يتراجع، وجمهور ينتقي حضوره بين صالة تجارية تصارع للبقاء ومساحات ثقافية تخفّف العبء
رغم الانهيار الاقتصادي الحاد والجفاف المالي في بلد منهار، لم تختفِ السينما من المشهد اللبناني، بل تغيّرت علاقتها بالناس، في ظل قدرة إنفاق فردية محدودة باتت تحكم أبسط خيارات الترفيه.
السينما التجارية: ترفٌ محسوب
ما زالت Grand Cinemas وEmpire Cinemas تتصدّران المشهد التجاري، لكن بزخم أدنى بكثير من سنوات ما قبل 2019. في بلد يتآكل فيه الدخل الشهري، تحوّلت السينما من عادة أسبوعية إلى قرار استهلاكي محسوب.
سعر بطاقة الدخول: العامل الحاسم
يتراوح سعر بطاقة الدخول في الصالات التجارية بين 5 و8 دولارات، وقد يرتفع في صالات VIP، وهو مبلغ يُعدّ مرتفعًا قياسًا بمتوسط الدخل الفردي.
هذا العامل انعكس مباشرة على الإقبال:
• تراجع الزيارات المنتظمة، خصوصًا العائلية • الاكتفاء بفيلم واحد شهريًا أو أقل لدى شريحة واسعة • ارتفاع الحضور فقط خلال العروض المخفّضة أو مع أفلام “الحدث”
“مش ثمن البطاقة بس… النقل والمشروب بيخلّوا السهرة مكلفة”، يقول أحد الروّاد.
بحسب تقديرات عاملين في القطاع، تراجع متوسط الإقبال إلى ما بين 30 و50% مقارنة بما قبل الأزمة.
السينما البديلة: معنى مقابل الكلفة
في المقابل، تحافظ Metropolis Cinema على جمهور أقل عددًا لكنه أكثر ثباتًا، في مشهد يعكس بحثًا عن قيمة ثقافية في زمن شحّ مالي.
بعض العروض، خصوصًا خلال المهرجانات، تصل نسبة إشغالها إلى 60–80%، رغم الأزمة.
“إذا بدّي أدفع، بدي شي يضيف معنى”، تقول طالبة جامعية.
فضاءات ثقافية كاستجابة للأزمة
في ظل الجفاف الاقتصادي، برزت مؤسسات ثقافية وجامعية مثل دار النمر، بيت بيروت، والجامعة الأميركية كبديل عملي عن الصالات التجارية، عبر:
• عروض مجانية أو بأسعار رمزية • جمهور نوعي • نقاشات توازي الفيلم نفسه
المنصات الرقمية: خ يار الضرورة
مع تقلّص إنفاق الفرد على الترفيه، باتت المنصات الرقمية الخيار الأوسع، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 70% من المشاهدة السينمائية تتم في المنزل. لكن السينما لم تختفِ، بل انكمشت إلى لحظات انتقائية.
فوائد السينما
هي مساحة تنفيس نفسي في واقع خانق، ونافذة ثقافية تتيح للمواطن الخروج المؤقت من إيقاع القلق والخسارة.
توفّر السينما:
• لحظة فصل عن الضغوط اليومية • تجربة جماعية تكسر العزلة • اتصالًا بسرديات وقصص تعيد طرح الأسئلة بدل الهروب منها
بالنسبة لشريحة واسعة من الشباب، لا سيما في السينما البديلة، تشكّل مشاهدة فيلم خارج المنزل فعل مقاومة ثقافية صغيرة في وجه الانكفاء واليأس.
أما على المستوى الاجتماعي، فهي تساهم في الحفاظ على الفضاء العام كمساحة تلاقي، لا مجرد استهلاك فردي خلف الشاشات.
في هذا المعنى، تصبح السينما—رغم كلفتها—أكثر من رفاهية مؤجلة: هي حاجة ثقافية ونفسية تتراجع حين تُضغط القدرة الشرائية، لكنها لا تختفي.
هل يفترض بوزارة الثقافة أن تلعب دورًا؟ وهل تفعل شيئًا اليوم؟
نظريًا، نعم.
في بلد يمرّ بانهيار اقتصادي واجتماعي، يُفترض بوزارة الثقافة أن تلعب دورًا أساسيًا في حماية الوصول إلى الثقافة، لا بوصفها ترفًا، بل كحاجة نفسية واجتماعية، وخصوصًا في مجالات مثل السينما.
دور الوزارة كان يمكن أن يشمل:
• دعم مباشر أو غير مباشر لأسعار التذاكر • شراكات مع صالات عرض ومساحات ثقافية • رعاية عروض مجانية أو متنقلة في المناطق • دعم السينما المستقلة والنوادي السينمائية • إدراج السينما ضمن سياسات “الصحة النفسية المجتمعية” لا الترفيه فقط
أما عمليًا، فالدور الحالي محدود جدًا.
وزارة الثقافة تعاني شحًا ماليًا وصلاحيات ضيقة، ويقتصر حضورها غالبًا على:
• رعاية رمزية لبعض المهرجانات
• شراكات موسمية مع مؤسسات ثقافية أو سفارات • نشاطات غير منتظمة لا ترقى إلى سياسة ثقافية واضحة
لا يوجد اليوم برنامج وطني مستدام لدعم السينما كحق ثقافي، ولا سياسة واضحة تجعلها في متناول فئات أوسع من المواطنين.
السينما في لبنان ما زالت تعيش بجهود أفراد ومؤسسات مستقلة، لا ضمن رؤية رسمية.
وزارة الثقافة غائبة كفاعل، حاضرة فقط كاسم.
