بعد ساعات قليلة على توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، توالت المواقف المرحّبة به إقليميًا ودوليًا، في مشهد يعكس تعطّشًا واسعًا لأي خطوة تخفّف منسوب التوتر في شمال وشرق سوريا. غير أنّ هذا الترحيب السريع لا يكفي وحده لتحديد طبيعة الاتفاق: هل نحن أمام مسار سياسي قابل للبناء، أم أمام تهدئة ظرفية فرضتها موازين القوى والضغوط الآنية؟
ما الذي يقوله الاتفاق؟
وفق المعطيات المتوافرة، يركّز الاتفاق على وقف إطلاق النار، وخفض الاحتكاك الميداني، وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وإدارية لاحقة، تشمل انتشارًا محدودًا لمؤسسات الدولة، وتفاهمات حول إدارة الخدمات، ودمجًا تدريجيًا لبعض الهياكل الأمنية في مراحل لاحقة. وبذلك، يقدّم الاتفاق نفسه إطارًا لإدارة التوتر أكثر مما هو تسوية سياسية شاملة، من دون حسم الملفات السيادية الكبرى أو مستقبل الإدارة الذاتية.
لماذا الآن؟
توقيت الاتفاق ليس تفصيلاً. فدمشق تسعى إلى توسيع مظلة حضور الدولة بأقل كلفة ممكنة، في ظل استنزاف طويل، وتبدّل أولويات حلفائها، ورغبة دولية عامة في منع انفجار جديد. في المقابل، تواجه «قسد» مرحلة دقيقة: دعم خارجي غير مضمون، ضغط تركي دائم، وأوضاع اقتصادية وخدمية هشة في مناطق سيطرتها. في هذا السياق، بدا التفاهم خيارًا أقل مخاطرة من الذهاب إلى مواجهة مفتوحة أو البقاء في حالة استنزاف بلا أفق.
ماذا حقّقت «قسد»؟
على خلاف الانطباع السائد، لم تدخل «قسد» الاتفاق من موقع الخسارة الكاملة، بل خرجت منه بسلسلة مكاسب دفاعية واضحة. فقد نجحت أولًا في تثبيت نفسها كشريك تفاوضي، لا كخصم مهزوم، عبر اتفاق معلن مع دمشق يمنحها اعترافًا سياسيًا ضمنيًا بكونها فاعلًا محليًا قابلًا للإدماج.
كذلك، وفّر لها الاتفاق مظلّة تهدئة في لحظة ضعف نسبي، فجنبها مواجهة عسكرية مباشرة أو سيناريو تفكيك قسري. وفي الوقت نفسه، حافظت على بنيتها العسكرية والإدارية في المدى المنظور، إذ لا يتضمن الاتفاق حلًا فوريًا لقواتها أو نزعًا شاملًا للسلاح، بل ترتيبات مؤجلة تترك لها أوراق قوة تفاوضية.
كما حمت «قسد» واقع الإدارة المحلية القائم، ولو من دون اعتراف رسمي، عبر الإبقاء على المجالس والهياكل الخدمية والتعليمية، وأعادت إدخال ملف الحقوق والخصوصيات المحلية إلى النقاش السياسي بعد سنوات من التعامل معه كمسألة أمنية بحتة. والأهم، أنها كسبت الوقت، في انتظار اتضاح التوازنات الإقليمية والدولية.
ماذا كسبت دمشق؟
في المقابل، لم يكن الاتفاق تنازلًا مجانيًا من جانب دمشق. فقد حقّقت الحكومة السورية مكسبًا أساسيًا يتمثل في استعادة حضور الدولة سياسيًا وأمنيًا في جزء من الجغرافيا التي بقيت خارج سيطرتها المباشرة لسنوات، من دون الاضطرار إلى مواجهة عسكرية مكلفة.
كذلك، يوفّر الاتفاق لدمشق تحييد جبهة داخلية حساسة في توقيت إقليمي غير مواتٍ للتصعيد، ويعزّز خطابها القائم على أنها عنوان لا غنى عنه للاستقرار. ومن خلال التفاهم مع «قسد»، تظهر الحكومة نفسها لاعبًا براغماتيًا قادرًا على إدارة النزاعات بالتفاوض، لا بالقوة وحدها، ما يمنحها هامش مناورة أوسع في مواجهة الضغوط الخارجية.
وفي المدى الأبعد، يتيح الاتفاق لدمشق إدارة ملف «قسد» تدريجيًا، عبر مسار استيعاب طويل الأمد، بدل التعامل معها كخصم مستقل أو كيان موازٍ خارج إطار الدولة.
الاتفاق بين دمشق و«قسد» لا يشكّل نهاية النزاع ولا بداية تسوية شاملة. ما جرى هو إدارة محسوبة للصراع: «قسد» منعت الخسارة الكبرى وثبّتت أوراقها، ودمشق وسّعت حضورها بأقل كلفة. أما التحوّل الحقيقي، فيبقى مؤجّلًا إلى حين توافر إطار سياسي أوسع يتجاوز منطق الهدنة إلى منطق الحل
