منذ سنواتٍ طوال، تحوّلت الضاحية الجنوبية لبيروت إلى مركز قرار سياسي حزبي، بل صارت هي مركز القرار الفعلي في البلاد، حتى العام الماضي. لكنّ عاصمة القرار تكاد تغيب عنها المساحات العامّة والمشاريع الإنمائية التي تلحظ حاجات السكّان.
فحتى الطرقات والمنشآت العامّة فيها راحت تتقلّص كلما ازداد النفوذ السياسي في المنطقة، و”خُصخصت” بفعل الأمر الواقع، فغابت المساحات الخضراء وضاقت مساحة الأملاك العامّة، وصار حقّ السكّان بها وكأنه ترف أو إضافة لا قيمة لها، ما خلّف آثاراً اجتماعية ونفسية، بل وحتى صحّية، لدى المقيمين.
تعاطت الأحزاب والبلديات في الضاحية الجنوبية لبيروت المكتظّة مع المساحات العامّة، ولا سيّما الخضراء منها، على أنها مجرّد ديكور جمالي يمكن التخلّي عنه لصالح بناء منشآت واستثمارات حزبية وخاصّة، وتجاهلت، عن قصد ربما، الوظائف الاجتماعية والصحّية والنفسية لوجودها، وتداعيات غيابها على المجتمع. فراحت هذه المساحات تتراجع بقرارات حزبية وبلدية، حتى صارت الذريعة اليوم ألا إمكانية لإعادة شيء ممّا كان.
صحيح أن الضاحية، بهويّتها الحالية، بدأت بالتشكّل في مشهد وُصف بالعشوائية، نتيجة موجات النزوح التي شهدتها بفعل عوامل اقتصادية وأمنية، كاحتلال إسرائيل قرى جنوب لبنان، والحرب الأهلية، وبحث أبناء مناطق مهمّشة عن فرص عمل في بيروت وضواحيها. لكنّ إهمال المساحات العامّة كان نهجاً معتمداً حتى بعدما شهدت المنطقة ما يمكن اعتباره نهضة اقتصادية، واستمرّ هذا النهج وهي تتوسّع باتّجاه أحياء عُرف سكّانها بثرائهم، وكأن جزءاً من القوّة السياسية لـ”حزب الله” استُمدّ من هذا النهج.
لم تُوضع خطط حقيقية أو موازنات لخلق مساحات تشكّل مجالاً للتلاقي بين مختلف شرائح المجتمع، وتصبح بالتالي مساحة تفاعل وحوار، وتعزّز الترابط الاجتماعي. وتجاهل المعنيّون أهمّية توفير أماكن للاستراحة والترفيه ضمن النسيج العمراني، في منطقة يقارب عدد سكّانها اليوم المليون نسمة، كما لم تُوفَّر أماكن لهو للأطفال، كالحدائق والملاعب.
في المقابل، خُصّصت أموال ضخمة لفرض هيمنة بصرية على هذه المنطقة، بهدف خنقها بالدعاية السياسية. زُرعت هذه الدعاية في كلّ زاوية، بشكل يجعل من المستحيل إشاحة النظر عنها. كذلك وُجدت التمويلات لبناء الكثير من المراكز الدينية كي تشكّل هي مساحات التلاقي، وكأن المطلوب التلاقي فقط في مساحات خاضعة للرقابة وقادرة على أدلجة الأفراد وتأطيرهم.
هكذا، لم يتبقَّ من المساحات العامّة في العاصمة السابقة للقرار السياسي سوى ما هو ضروري للتنقّل غير الآمن، بفعل ضيق الطرقات واستغلالها في الأنشطة التجارية، وغياب شروط السلامة. حتى الطرق ات الضيّقة اقتُطعت أجزاء منها بالإسمنت بحجج أمنية.
تعميق الفصل الطبقي
وإن كان بإمكان الميسورين البحث عن أماكن ترفيه ومساحات خضراء خارج الضاحية، إلا أن الأحياء الضيّقة ظلّت ملاذ الأطفال والشبّان الأقلّ يسراً للعب والترفيه، لكنها أماكن غير آمنة. وتتمثّل إحدى أسوأ نتائجها بجعل الأطفال عُرضة لإدمان المخدّرات، بل وحتى توريطهم في الترويج لها، كمقابل للحصول على حاجتهم منها، وهو ما كشفه قبل سنوات معاون إداري في مديرية الصحّة النفسية في “الهيئة الصحّية الإسلامية” خلال مقابلة معه. إذ أفاد حينها بأن الهيئة تعالج حالات إدمان لأطفال في سنّ الثامنة والتاسعة من العمر، وقال خلال المقابلة إن “هناك أطفالاً لا يتعاطون المخدّرات وحسب، بل يروّجونها أيضاً”، وأضاف أن “نسبة تخلّص الأطفال من إدمانهم ضئيلة جدّاً، وإن خضعوا للعلاج”، موضحاً: “خصوصاً أن المدمنين يعودون بعد العلاج إلى المحيط ذاته والبيئة ذاتها، ويتعرّضون مجدّداً للعوامل نفسها التي سبّبت إدمانهم، وبالتالي يعودون إلى الإدمان”.
هكذا يصبح الشارع بديلاً خطراً عن المساحات العامّة المنظّمة التي تلحظ حاجات السكّان، فينمو الطفل في أجواء غير آمنة، لكنها أيضاً أجواء تسهّل استدراجه نحو التجنيد والانضمام إلى صفوف “حزب الله”. فالانضمام إلى مجموعة تملك نفوذاً على الأرض، يغري أولئك الذين تصبح هذه الشوارع مساحاتهم للتعبير عن أنفسهم.
تتذرّع البلديات المعنيّة، ومن خلفها الأحزاب، بغياب المساحات القابلة للتخصيص وبنقص التمويل اللازم لمعالجة المشكلة، وتُسلّم بالأمر الواقع، أو بالأحرى الذي تركته يقع، وكأنه ما عاد هناك من حلول. إلا أن إهمال المشكلة بحجّة الواقعية سيفاقمها ويمهّد لانفجارها بشكل أقسى في ما بعد. فرفض البحث عن حلول في التسعينات، يوم كان من الممكن تفادي الوصول إلى ما هو عليه الحال اليوم، ورفض التعاون مع مشروع “أليسار” الذي اقترح تنظيم الأحياء العشوائية في الضاحية، أو صياغة مشروع آخر لتنظيم المنطقة، ولّد أزمة اليوم في الضاحية.
(…)
“درج”
