"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

أربع سنوات خارج اللعبة… ماذا بقي لسعد الحريري؟

فارس خشّان
الأربعاء، 25 فبراير 2026

أربع سنوات خارج اللعبة… ماذا بقي لسعد الحريري؟

عندما قرّر الرئيس رفيق الحريري، في بداية التسعينيات من القرن الماضي، الدخول إلى السياسة اللبنانية من بوابة السلطة، جاء حاملًا مشروعًا وطنيًا متكاملًا، شكّل بالنسبة لكثيرين، حينها، خشبة خلاص للبنان الخارج من حروب متعددة الأوجه والصفات واللاعبين، مدمّرًا وفقيرًا ومشرذمًا.

كان رفيق الحريري، بهذا المعنى، حاجة وطنية لا يمكن الاستغناء عنها أو الاعتماد على بدائل “كلاسيكية” لها.

ومنذ دخل الحريري الحياة السياسية اللبنانية، لم يبارحها يومًا، إلا بفعل الاغتيال. بقي في صلب الحدث، سواء كان في السلطة أو في مقاعد المعارضة.

ويوم تسلّم ابنه سعد الحريري أمانة والده، الذي لم يكن يريد، على ما كان يؤكد ويردّد، إقامة نظام توريث عائلي، وأصرّ، تنفيذًا لذلك، على إبعاد أولاده جميعًا عن عمله السياسي، كان هو الآخر حاجة وطنية. بدا لبنان المنتفض على اغتيال الحريري، والمقتنع بأنّ محور طهران–دمشق يقف وراء الاغتيال، مصرًّا على أن يستمر دور المنزل الذي أُريد إلغاؤه بواسطة التفجير الاغتيالي الضخم.

وأدّى سعد الحريري، في بداية حياته السياسية، الدور المنوط به، بحيث لم يبخل بشيء من أجل تثبيت البعد الوطني الكبير لمسيرة تحرير لبنان من هيمنة نظام الأسد.

وأسّس، على قاعدة نجاحه في هذا الدور، لزعامة شعبية بدت، بفعل الظروف المؤاتية، أكبر من تلك التي ورثها عن والده، الذي كان يتطلع إلى أن يستحق لقب “رجل دولة” ولا يطمح إلى أن يكون “زعيمًا في الدولة”.

وكما والده، حظي سعد الحريري بدعم سعودي كبير، بدا أساسيًا في توسيع قاعدته الشعبية، وترسيخ موقعه السياسي، وتعميق تحالفاته الوطنية.

واجه سعد الحريري صعوبات كثيرة في مسيرته، وكان هدفًا ذهبيًا، في مرحلة صعبة، للخصوم والأعداء. وغيرُه من القوى السياسية عاش الظروف نفسها بالتزامن معه، كما شهد مثلها في مراحل أخرى من تأسيس مسيرته السياسية، التي بُنيت على الاغتيال هنا، والاعتقال هناك، والنفي هنالك.

ولكن، في مسيرة سعد الحريري السياسية، لوحظ أنّه، خلافًا لوالده، لا يجيد الجلوس في صفوف المعارضة. بدا كأنه متدرّب حصرًا على الجلوس في السلطة. وكان، بداعي “الحيطة والحذر”، كلما اضطرّته الظروف إلى الخروج من السلطة، يختار مغادرة لبنان والإقامة في الخارج، تارة في السعودية وتارة في فرنسا، محاولًا، على قدر ما تسعف “الغربة”، مواصلة حياته السياسية.

ومعادلات الغربة، بفعل ما توفّره من انفصال عن الاحتكاك باليوميات، بدأت تُحدث تفسخات في العلاقة بين الحلفاء، الأمر الذي استغله الخصوم من أجل نسج علاقات – ولو بالحد الأدنى – مع الحريري.

ومن دون الدخول في تفاصيل تحتاج إلى كثير من السرد والنقاش حتى تأخذ حقها من الموضوعية والمنطق، وجد سعد الحريري نفسه، في ضوء الدموع التي واكبت الابتسامات، والإحباطات التي وازنت النجاحات، والصعوبات التي تخطّت الإنجازات، والأوهام التي صدمت الآمال، يقرّر ما لا يتصوّره أي عقل سياسي: تعليق عمله السياسي، كشخص وكتيار.

ترك الحريري البلاد رسميًا، بعدما كان قد غادرها فعليًا، ومنع حزبه “تيار المستقبل” من المشاركة في الحياة السياسية بكل تفاصيلها، فقاطع الانتخابات النيابية ترشيحًا واقتراعًا.

ولم يسفر هذا القرار عن فقدان الحريري لجميع الحلفاء فحسب، بل وجد تياره يخسر، يومًا بعد يوم، وجوهه التاريخية أيضًا، ويحوّلهم إلى خصوم.

وعلى قاعدة التخلّي، قطع الحريري “شعرة معاوية” مع الجميع، وتحوّل تياره “العاطل عن العمل السياسي” إلى حالة دعائية هدفها النيل من كل من قرّر البقاء في الحياة السياسية الناشطة خلافًا لـ”رأي الرئيس الزعيم”.

لكنّ الحريري سرعان ما اكتشف “خطأه”، بعد إجازة سياسية طويلة أمضاها بالقرب من بعض صنّاع القرار في دولة الإمارات العربية المتحدة. فالابتعاد لم يُحسّن علاقته بأحد، ولا سيما بالقيادة السعودية، التي بدأت الصلة بينهما تتدهور دراماتيكيًا منذ العام 2017.

ربما كان يعتقد، لوهلة، أنّ ابتعاده عن لبنان وسياسته سيحوّله، بفعل الفراغ الذي سيتركه، إلى حاجة وطنية، ويساهم في جسر الهوة بينه وبين جميع اللاعبين المحليين والإقليميين، لكنّ الوقائع جاءت معاكسة؛ إذ جرى الاستغناء عنه، وبدأ التخلص حتى ممن لا يزالون على تواصل معه أو من تياره من غالبية المواقع السلطوية في لبنان.

ولم يبقَ لسعد الحريري، حيال تراكم الخسائر، سوى ملاذ واحد: الحاضنة الشعبية.

ولا يُعدّ احتفاظ الحريري بهذه الحاضنة إنجازًا له، فهو يستفيد، كما غيره، من شعب تتحكم به مقاييس العاطفة والطائفية والعشائرية.

في 14 شباط/فبراير 2026، وبمناسبة تجسيد قرار العودة إلى الحياة السياسية اللبنانية بشكل فعلي، تلمّس سعد الحريري خطأ “التخلّي” الذي ارتكبه قبل أكثر من أربع سنوات. وللمرة الأولى، أوحت الرياض للبنانيين بأنها قطعت علاقاتها كليًا معه، وتعتبر التحالف معه اصطفافًا ضدها.

حضر جمهور واسع دعمًا لعودة الحريري، ودخلت على الخط قوى مناوئة للسعودية، فأرسلت بعضها وفودًا شعبية إلى ساحة إحياء ذكرى رفيق الحريري، لكن السلطة والحلفاء السابقين نأوا بأنفسهم عنه.

غابت وفود كانت تزور سابقًا “بيت الوسط” في ذكرى 14 شباط، ذكرى الاغتيال الذي وقع عام 2005. ولم يظهر الحريري لا في القصر الجمهوري ولا في السرايا الحكومية، وأرجأ زيارته إلى دار الفتوى إلى مناسبة إفطارها.

ولولا مقولة “سنة لبنان بحاجة إلى زعيم”، لم يستطع أحد أن يقدم “دراسة جدوى” حقيقية لعودة الحريري إلى السياسة اللبنانية. لقد ظهر واضحًا أنّ التطورات المتلاحقة تخطته!

مع الحريري، بدا أنّ “الخروج من الحمّام” في لبنان أسهل بكثير من “العودة اليه”.

نقطة واول السطر

المقال السابق
حتى لو قُتل المرشد!

فارس خشّان

كاتب سياسي

مقالات ذات صلة

طلال حيدر أمام أنقاض "مرجته": "اللّي" بده يقاتل العدو يقاتله بالعقل مش بحياة الناس البريئة

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية