في كتابه الجديد «قرن تحوّلنا»، يدقّ الأمين الدائم للأكاديمية الفرنسية ناقوس الخطر إزاء ثورة تكنولوجية قد تعيد تعريف العمل والإنسان ومكانته في العالم، فيما تعجز أنظمة الحكم عن مواكبة سرعة التحولات.
ليس السؤال الذي يطرحه أمين معلوف في كتابه الجديد «قرن تحوّلنا» (Le Siècle de notre métamorphose) ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر العالم، بل ما إذا كانت البشرية ستتمكن من توجيه هذا التغيير قبل أن تتحول إلى ضحية له.
في مقابلته مع صحيفة «لوفيغارو» المنشورة الثلاثاء 13 تشرين الأول/أكتوبر، يطلق الأمين الدائم للأكاديمية الفرنسية تحذيراً يتجاوز المخاوف التقليدية من فقدان الوظائف، متوقعاً أن يجد ملايين الأشخاص أنفسهم، خلال السنوات المقبلة، محرومين من أي «جدوى اجتماعية» بفعل التقدم المتسارع للذكاء الاصطناعي.
ولا تكمن خطورة هذا الاحتمال، في نظرته، في خسارة مصدر الدخل وحده، بل في التهديد الذي قد يطال علاقة الإنسان بالعمل ودوره داخل المجتمع، وفي قدرة المؤسسات السياسية والاقتصادية على استيعاب تحولات تتقدم بوتيرة أسرع من قدرة المجتمعات على التكيف معها.
حين يصبح الإنسان فائضاً عن الحاجة
شكّل العمل، عبر التاريخ الحديث، إحدى الركائز الأساسية التي يستمد منها الإنسان مكانته الاجتماعية وشعوره بالمشاركة في الحياة العامة. لكن ماذا يحدث عندما تصبح الآلات قادرة على أداء عدد متزايد من المهمات التي كانت تتطلب خبرة بشرية، من الأعمال الإدارية والتحليلية إلى مجالات مهنية أكثر تعقيداً؟
لا يتوقف التحدي عند احتمال اختفاء وظائف وظهور أخرى، وهي ظاهرة عرفتها الثورات الصناعية السابقة. ما يثير القلق هو احتمال اتساع الفجوة بين سرعة إحلال التكنولوجيا محل بعض القدرات البشرية وبين قدرة الاقتصاد على خلق أدوار جديدة تستوعب المتضررين من هذا التحول.
ومن هنا تكتسب عبارة معلوف عن فقدان «الجدوى الاجتماعية» دلالتها الأوسع. فالمسألة ليست مجرد انتقال العمال من مهنة إلى أخرى، بل احتمال شعور فئات واسعة بأن مساهمتها لم تعد مطلوبة، في مجتمعات لا تزال تربط المكانة والاستقلال الاقتصادي إلى حد بعيد بالعمل والإنتاج.
ومع ذلك، لا يجعل هذا السيناريو نتيجة حتمية. فالأثر الاجتماعي للذكاء الاصطناعي سيتوقف أيضاً على السياسات التعليمية والضريبية والاجتماعية، وعلى كيفية توزيع المكاسب التي يولدها، وعلى قدرة المؤسسات على توفير فرص جديدة بدلاً من ترك التحول التكنولوجي يحدد وحده مصير العاملين.
ينتقد معلوف استمرار البشر في النظر إلى أنفسهم وإلى الآخرين بوصفهم جماعات متمايزة ومتنافسة، رغم أن التحديات الجديدة تتجاوز الحدود والهويات التقليدي
ثورة تتجاوز الذكاء الاصطناعي
في كتابه الصادر عن دار «غراسيه»، لا يحصر معلوف التحول التاريخي في الذكاء الاصطناعي التوليدي، بل يضعه ضمن منظومة أوسع تشمل التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية والطاقة المتجددة والتغير المناخي.
وتتقاطع هذه المجالات في قدرتها على إعادة تشكيل حياة الإنسان وعلاقته بالطبيعة وبالمجتمع. فالذكاء الاصطناعي يغيّر طرق التفكير والعمل وإنتاج المعرفة، فيما تفتح التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية آفاقاً جديدة للتدخل في الحياة نفسها، وتفرض التحولات المناخية والطاقوية إعادة النظر في نماذج الإنتاج والاستهلاك والتنمية.
ويرى معلوف أن ما يجري ليس مجرد تسارع للتقدم العلمي والتقني على غرار ما عرفته البشرية في مراحل سابقة، بل تحول من طبيعة مختلفة، قد يحدد مستقبل النوع البشري ومكانة الإنسان في الكون.
وإذا كانت الثورات الصناعية السابقة قد أعادت تشكيل الاقتصادات والمجتمعات على مدى أجيال، فإن تزامن هذه التحولات وتسارعها يضعان المؤسسات أمام تحديات متداخلة يصعب التعامل معها كل على حدة.
ً
يروي أمين معلوف واقعة حدثت في بكين في 3 أيلول/سبتمبر 2025، خلال الاحتفال بالذكرى الثمانين للانتصار على اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية. فبينما كان الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين يتوجهان سيراً على الأقدام إلى موقع العرض العسكري، دار بينهما حديث ظنّا أنه بعيد من آذان الآخرين، قبل أن تلتقطه الميكروفونات المفتوحة.
قال شي جينبينغ: «في الماضي، كان الناس نادراً ما يعيشون إلى ما بعد السبعين؛ أما اليوم، فإن المرء في السبعين يكاد يكون طفلاً».
وردّ بوتين بحماسة: «مع تطور التكنولوجيا الحيوية، ستصبح الأعضاء البشرية قابلة للزرع باستمرار، وسيتمكن الناس من البقاء شباباً على الدوام، بل وحتى بلوغ الخلود».
وأضاف الرئيس الصيني، بحسب الرواية التي ينقلها معلوف: «وفقاً لبعض التوقعات، قد يصبح من الممكن خلال هذا القرن أن يعيش الإنسان حتى 150 عاماً»
التكنولوجيا تتقدم والسياسة تتأخر
تتمثل إحدى الأفكار المحورية في الكتاب في اتساع الهوة بين التسارع المتنامي للتقدم العلمي وبين بطء أنظمة الحكم في الاستجابة له.
فالتكنولوجيا تعمل ضمن شبكات عابرة للحدود، بينما لا تزال القرارات السياسية محكومة إلى حد كبير بالمصالح الوطنية والتنافس بين الدول. والشركات القادرة على تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي ونشرها عالمياً لا تخضع بالضرورة لقواعد موحدة أو لآليات رقابة متكافئة في مختلف البلدان.
ويحذّر هذا الواقع من أن تتركز منافع التحول في أيدي الجهات التي تمتلك التكنولوجيا ورأس المال والبيانات، فيما تتحمل فئات أخرى كلفة الانتقال، سواء من خلال خسارة الوظائف أو اتساع التفاوت أو تراجع قدرتها على التأثير في القرارات التي تمس حياتها.
لكن المشكلة، وفق المنظور الذي يطرحه معلوف، لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل أيضاً بالتصورات القديمة التي تحكم علاقة البشر بعضهم ببعض. فالعالم الذي يزداد ترابطاً لا يزال يُدار بمنطق جماعات متنافسة، في وقت باتت فيه المخاطر الكبرى، من الذكاء الاصطناعي إلى التغير المناخي، تتجاوز الحدود الوطنية.
يطرح الكتاب سؤالاً محورياً: هل ستتمكن البشرية من صياغة عالمية جديدة ورواية مشتركة لمستقبلها، وتوجيه التحول لمصلحتها بدلاً من أن يؤدي إلى تهميشها ثم تدميرها؟
الحاجة إلى عالمية جديدة
في مواجهة هذه التحولات، يطرح معلوف الحاجة إلى صياغة عالمية جديدة، وإلى رواية مشتركة تمنح البشرية إطاراً للتفكير في مستقبلها بعيداً من الانقسامات التقليدية.
ولا تعني هذه الدعوة تجاهل اختلاف المجتمعات أو مصالح الدول، بل البحث عن قواعد مشتركة تسمح بإدارة التقدم العلمي بما يحمي الإنسان، ويحد من مخاطره، ويضمن ألا تتحول المنافسة التكنولوجية إلى سباق لا يخضع لأي ضوابط.
فإذا كانت البشرية غير قادرة على وقف هذه التحولات أو إبطائها، فإنها لا تزال، بحسب الفكرة الأساسية للكتاب، قادرة على التأثير في اتجاهها. والاختيار ليس بين قبول التكنولوجيا ورفضها، بل بين تركها تتطور وفق منطق القوة والمصلحة وحدهما، وبين إخضاعها لنقاش عام وسياسات تحدد الأهداف التي ينبغي أن تخدمها.
وهنا تبرز أسئلة عملية لا يمكن اختزالها في التحذير الفكري: كيف ستُوزّع عوائد الإنتاجية التي يحققها الذكاء الاصطناعي؟ ما الضمانات التي ينبغي توفيرها للعاملين الذين تتراجع الحاجة إلى مهاراتهم؟ وكيف يمكن إخضاع التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي لقواعد تحمي الحقوق والحريات من دون تعطيل البحث والابتكار؟
لا يقدم التحذير وحده إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، لكنه يضعها في قلب النقاش حول مستقبل المجتمعات.
امتحان البشرية في هذا القرن
تأتي أهمية كتاب «قرن تحوّلنا» من جمعه بين ثورات تكنولوجية وبيئية متزامنة وبين أزمة في أنماط الحكم والتفكير التي ورثتها البشرية من مراحل تاريخية مختلفة.
ويبدو أن السؤال الذي يشغل معلوف يتجاوز مصير مهنة أو قطاع اقتصادي أو حتى دولة بعينها. إنه يتعلق بقدرة الإنسان على الاحتفاظ بدوره في عالم تتزايد فيه قدرات الآلات، وبقدرة المجتمعات على تطوير مؤسساتها بالسرعة اللازمة لمواكبة ما تنتجه العلوم.
فإذا كانت التحولات الجارية لا يمكن وقفها، فإن نتائجها ليست محددة سلفاً. وما يزال في وسع البشر الاختيار بين توظيفها لتوسيع قدراتهم وتحسين حياتهم، وبين تركها تعمّق التفاوت وتهمّش قطاعات واسعة من المجتمع.
ويختصر معلوف رهانه في التحذير من أن ما يجري في هذا القرن سيحسم «مكانتنا في الكون». إنها عبارة تنقل النقاش من حدود الاقتصاد والتكنولوجيا إلى سؤال أعمق: هل ستنجح البشرية في قيادة التحول الذي صنعته، أم ستجد نفسها عاجزة عن التحكم في نتائجه؟
في هذا المعنى، لا يبدو «قرن تحوّلنا» كتاباً عن الذكاء الاصطناعي فحسب، بل محاولة لفهم اللحظة التي تتغير فيها شروط الحياة البشرية على نحو متزامن، فيما لا تزال أدوات السياسة والحكم والتعاون الدولي تبحث عن طريقة لمواكبتها.
إن ملايين، بل مليارات من البشر، مهدّدون بأن يجدوا أنفسهم خلال السنوات المقبلة محرومين ليس من الوظيفة فحسب، بل من أي «جدوى اجتماعية» واضحة. ويُطرح بين الحين والآخر اقتراح تأمين «دخل أساسي شامل» لهم، يتيح لهم تلبية احتياجاتهم. ومن المرجّح أن يصبح هذا الأمر ضرورياً، لكنه سيظلّ غير كافٍ. فالعمل والحصول على الأجر المقابل له يمنحان الإنسان شكلاً من أشكال الكرامة الاجتماعية؛ وهي كرامة يحتفظ بها أيضاً عندما يتلقّى إعانة بسبب مشكلة صحية أو انتكاسة في حياته. لكن إذا تحوّلت المساعدة إلى دعم دائم، وأصبحت وصمةً تلازم وضعاً يُنظر إليه على أنه خمول وانعدام للجدوى، فإن الإنسان يجد نفسه حتماً مهمّشاً، في مرتبة المواطن من الدرجة الثانية. (…)»
