"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

أمتنا العربية أقوى من.. الفضيحة!

رئيس التحرير: فارس خشّان
الخميس، 19 فبراير 2026

في العالم، لا تزال قضية جيفري إبستين حاضرة بقوة، على الرغم من مرور سنوات على ما قيل إنّه انتحاره في زنزانته. كل تفصيل يُستعاد، كل وثيقة تُفتَّش، وكل اسم يُتداول وكأن الزمن لم يتحرّك. الإعلام الغربي يتعامل مع القضية بوصفها جرحاً مفتوحاً، لا يُسمح له أن يلتئم قبل أن تُعرف الحقيقة كاملة، أو على الأقل قبل استنفاد كل الأسئلة الممكنة. رواية رسمية لم تُقنع كثيرين، وثغرات أمنية وقضائية أبقت الشك حيّاً، ومنعت إقفال الملف أخلاقياً وسياسياً.

هذا الاهتمام لا يعود فقط إلى بشاعة الجرائم، بل إلى ما تمثّله القضية في الوعي العام: شبكة نفوذ، احتمال تستّر، وتورّط محتمل لشخصيات في أعلى هرم السلطة والمال، في قضايا الفساد والجريمة المنظمة والاستغلال والاغتصاب والتحرّش. إنها ليست قصة رجل، بل اختبار لنظام كامل، ولقدرة المجتمع على مواجهة نفسه، حتى وإن كانت الصورة قبيحة. لذلك لم تتحوّل قضية إبستين إلى خبر عابر، بل إلى مرآة تعكس حدود القوة، وحدود العدالة، ودور الإعلام حين يصرّ على السؤال.

الأمر نفسه ينسحب على قضايا الفساد التي طاولت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ملفات تتعلّق بتلقّي هدايا، وبالتأثير على وسائل إعلام، وبناء علاقات خاصة مع أصحاب نفوذ اقتصادي. تفاصيل قد تبدو، في معظم العالم العربي، عادية أو حتى تافهة: علب سيكار، تغطية إعلامية إيجابية، علاقات شخصية. لكنها في إسرائيل تحوّلت إلى لوائح اتهام ومحاكمات مفتوحة، لم تُقفل، ولم تُمحَ، ولم تُختزل في خانة “الحياة الشخصية”، وبقيت قائمة رغم الضغوط السياسية ومحاولات الالتفاف.

وفي الفضاء نفسه، برز اسم الأمير أندرو بوصفه مثالاً إضافياً على كيف يمكن لفضيحة واحدة أن تهز صورة مؤسسة عريقة بكاملها. لم يكن السؤال هنا أخلاقياً فقط، بل مؤسسياً أيضاً: كيف تتصرّف الدولة حين يُتَّهم أحد رموزها؟ وكيف تُدار السمعة العامة حين تتقاطع السلطة مع الشبهة؟

في المقابل، يبدو المشهد العربي مختلفاً إلى حدّ المفارقة. لا فضائح كبرى تشغل الرأي العام لسنوات. لا ملفات تُفتح ثم تتدحرج. لا أسماء تُسرَّب ثم تُلاحَق قضائياً. الصورة العامة توحي بأن هذه المنطقة، بكل ما فيها من سلطات ونفوذ وثروات، تعيش في طهارة استثنائية، وكأن الفساد والجريمة المنظمة والاستغلال لا تعرف طريقها إلى مجتمعاتنا.

لكن هذا “النقاء” الظاهري ليس دليلاً على سلامة الواقع، بل على سلامة الصمت. في العالم العربي، لا تُقاس الفضائح بحجمها، بل بقدرتها على البقاء حيّة. وما لا يُسمح له بالبقاء، يُدفن سريعاً. أحياناً قبل أن يصبح خبراً، وأحياناً بعد أن يُفرَّغ من معناه، أو يُحاط بسياج من المحرّمات السياسية والأمنية والاجتماعية.

اللافت أن الرأي العام في أمّتنا يتابع هذه القضايا الخارجية بشغف بالغ. يتتبّع أدق التفاصيل، يترجم الوثائق، يحلّل الصور، ويراقب تعابير الوجوه. بل ينخرط في سخرية واسعة من الشخصيات المرتبطة بهذه الملفات، من دونالد ترامب إلى بيل غيتس، وصولاً إلى بنيامين نتنياهو والأمير أندرو. تتحوّل القضايا إلى مادة يومية للنكات والتعليقات اللاذعة و“الميمز”، وكأن الجمهور يعوّض، بالتهكّم على فضائح الآخرين، عن عجزه المزمن عن مساءلة مسؤوليه. إنها سخرية ذكية، لكنها آمنة، لأنها موجّهة دائماً إلى الخارج، لا إلى الداخل حيث تصبح الكلمة أعلى كلفة.

في عالمنا العربي، ما يُعد جريمة سياسية وقضائية في إسرائيل يُنظر إليه هنا بوصفه مسألة عادية. التأثير على الإعلام ليس فضيحة، بل “إدارة علاقات”. الهدايا والامتيازات تُدرج بسهولة في خانة الحياة الشخصية. بهذا الفصل المزيّف بين العام والخاص، تُفرَّغ فكرة الفضيحة من معناها، وتتحوّل من أداة مساءلة إلى مفهوم انتقائي، يُستدعى عند الحاجة ويُلغى عند الضرورة.

ليست الفضيلة إذاً في غياب الفضيحة، بل المشكلة كلّها في هذا الغياب؛ لأن الفضيحة، حين تُمنع، لا تُلغي الجريمة، بل تحميها، ولا تصون الأخلاق، بل تُعطّل المساءلة. فالأمم التي تقبل أن تكون فضائح كبار مسؤوليها شأناً شخصياً، هي أمم يستحيل أن تقفز إلى الأمام، وتواصل في المقابل انحداراتها بهدوء.

هكذا تتكوّن صورة “أمّتنا العربية بلا فضائح”. لا لأنها أنقى، بل لأنها أكثر صمتاً. والفضيحة، مهما كانت موجعة، قد تكون بداية تصحيح. أمّا غيابها القسري، فليس دليلاً على الطهارة، بل علامة أكيدة على أن الحقيقة أُغلِق عليها الباب… وعلى سقوطٍ يتواصل بلا شهود.

المقال السابق
ترامب يدرس ضربات محدودة ضد إيران للضغط في الملف النووي
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

أطفال في الضاحية الجنوبية لبيروت يدمنون المخدرات ويروّجونها!

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية