"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

التشيّع في جبل عامل قبل أن تستولي عليه "ولاية الفقيه"/ حسن بزيع

نيوزاليست
الجمعة، 10 أبريل 2026

التشيّع في جبل عامل قبل أن تستولي عليه "ولاية الفقيه"/ حسن بزيع

ما ترونه هذه الأيام ليس سوى وجهٍ من وجوه التشيّع، وسرديّةٍ من سرديّاته المتعدّدة. ولم تكن هذه السرديّة هي الغالبة قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

هو ليس تشيّع جدّي وجدّتي، ولا تشيّع أبي وأمّي، وبالتأكيد ليس تشيّعي.

أنا الذي مشيتُ صغيرًا في مواكب الإمام الحسين، وقرأتُ أدعية الافتتاح والسَّحر والجوشن الصغير والكبير في ليالي رمضان.

كان التديّن يسيرًا، بسيطًا، متسامحًا. نعيشه ويعيش معنا، كأنّه واحدٌ منّا، لا غريبٌ عنّا. تحت عينيه كانت النساء يتزيّنّ بفساتينهنّ الملوّنة، وغطاء الرأس يكشف بعض الشعر، ويفصح عن وجوهٍ بشوشة، وترتفع أصواتهنّ بالغناء.

كانت القرى تُقاوم قساوة الحياة بالفرح، وتُقيم له المناسبات. كان الحزن جميلًا، وكانت الدموع صادقة.

لم يكن يضير أهل قريتي الشيعيّة أن ندرس في كتاب دينٍ سنّي في مدرسة المقاصد الخيريّة، كما لم يكن يضير تلامذة المدرسة الجعفريّة في صور، من سنّة ومسيحيين، حضور حصّة الدين عند أستاذ شيعيّ.

في صور، في ستينيّات القرن الماضي، كان موسى الصدر مالئ الدنيا وشاغل الناس. كانت مجالسه مقصدًا لأبناء مختلف الطوائف، وكنّا من روّادها، نقع تحت تأثير حضوره الآسر.

لكن سحر اليسار كان أقوى، من دون أن يُفقدني ذلك سحر الإمام. لم أرَ تعارضًا بين موروثي الثقافي الشيعي ويساريّة فتىً لم يبلغ العشرين.

حتى إنني راسلت المرجع الأعلى في العراق عبر شيخ قريتنا، أسأله: لماذا لا يُفتي بالجهاد مع الثورة الفلسطينية؟ فجاءني الجواب بعد أشهر: هو مع الثورة، لكنّ مسؤوليّة الدم كبيرة.

شيخ قريتنا، محمد حسن شرارة، كان إيمانه بسيطًا، عميقًا، يشبه ما قيل: «ليت لي إيمان العجائز». وكان أبي يقول لي، وهو يرى حيرتي: لن تصل إلا بالتسليم.

لكنّ الأسئلة كانت كثيرة. وكلما قرأتُ، ازددتُ معرفةً، وازدادت حيرتي.

كانت مجالس العلماء في جبل عامل مفتوحةً للناس، يختلط فيها الدين بالدنيا، والعلم بالأدب، والسمر بالمعرفة. وكانت مساحةً حيّة للتعلّم والتفاعل.

رافقتُ علماءً كُثر، وتردّدتُ إلى مجالسهم، وتأثّرتُ بهم، لكن العلامة الفارقة في مسيرتي كانت علاقتي بكلٍّ من محمد حسن الأمين وهاني فحص، اللذين فتحا أبواب التشيّع على أسئلة الحداثة والتنوير.

ولا يكتمل المشهد من دون حضور صديق العمر، محمد حسين شمس الدين، الذي كان مرجعًا حيًّا في الفقه والفكر والتاريخ، ورفيقًا في النقاش حتى أيامه الأخيرة.

هذه المقدّمة ليست حنينًا إلى الماضي، بل مدخلًا للقول: إنّ التشيّع المتسامح والمعتدل، هو الذي اهتدى بسيرة أئمّة المذهب الجعفري، الذين فصلوا بين الإمامة الدينيّة والإمامة السياسيّة، ولم يطرحوا مشروعًا خاصًا خارج إجماع الأمّة، بل نذروا أنفسهم لصون العقيدة وحماية الجماعة.

في المقابل، ذهبت تجارب أخرى في التاريخ الشيعي—كالزيديّة والإسماعيليّة والقرامطة—إلى العنف في مواجهة السلطة، فانتهت إلى العزلة أو الاندثار.

الأمثلة على ذلك كثيرة:

حين خرج زيد بن علي على هشام بن عبد الملك، لم يُناصره أخوه محمد الباقر.

وحين خرج محمد النفس الزكية على أبو جعفر المنصور، لم يؤيّده جعفر الصادق، بل نصحه بعدم الخروج.

أما الحسين بن علي، فكان خروجه للإصلاح، لا لطلب الحرب. لم يُكره أحدًا على القتال، بل أتاح لأصحابه الانصراف، وسعى حتى اللحظة الأخيرة لتجنّب المواجهة.

وقبله، تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية، حقنًا للدماء، في ما عُرف بصلح الحسن.

وفي سيرة علي بن أبي طالب درسٌ جامع: «لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة».

الحديث يطول، والأمثلة لا تُحصى. لكن هذه القراءة المختصرة، إنما تُعرض لمن يريد أن يتذكّر، ويتفكّر، ويعقل.

( صفحة بزيع على فايسبوك)

المقال السابق
محمد رعد: التباكي على الخسائر والضحايا … خيانة
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

حملة التخوين في لبنان: حين يُعفى من يشعل الحرب ويُخوَّن من يرفضها

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية