"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

التضليل الرقمي كسلاح: كيف تُعاد صياغة الواقع عبر فيديو واحد؟

لارا صقر
الثلاثاء، 31 مارس 2026

التضليل الرقمي كسلاح: كيف تُعاد صياغة الواقع عبر فيديو واحد؟

كالنار في الهشيم، انتشر مقطع فيديو يُظهر مدينة مدمّرة بالكامل: أبنية محروقة، شوارع خاوية، ومشهد أشبه بمدينة أشباح خرجت من حرب إبادة.

المئات أعادوا مشاركة الفيديو، وآلاف التعليقات والإعجابات انهالت عليه، فيما بدا أن جزءًا كبيرًا من المتفاعلين يتعامل مع المشهد على أنه “إنجاز وانتصار” لمحور المقاومة.

تم الترويج لهذا الفيديو على أنّه يوثّق دمارًا داخل إسرائيل نتيجة ضربات إيرانية وصواريخ أطلقها حزب الله.

لكن، وبعد التحقق من مصدر الفيديو وتاريخه، تبيّن أنّه لا يمتّ بصلة للأحداث المتداولة. المقطع يعود إلى العام 2023، ويوثّق الدمار في مدينة باخموت، التي تحوّلت إلى ساحة معركة مفتوحة خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتعرّضت لقصف مكثّف أدّى إلى تدمير واسع للبنية التحتية.

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بفيديو مضلل، بل بسهولة تحويله إلى “حقيقة” عند جزء من الجمهور.

ما جرى ليس خطأً عابرًا في التحقق، بل يندرج ضمن نمط متكرر من التضليل الرقمي.

ففي حادثة “الإنزال” التي جرت بتاريخ 7 آذار 2026 في النبي شيت، تم تداول روايات وصور تزعم أسر جنود إسرائيليين وتدمير مروحيات. غير أنّ المعطيات اللاحقة أظهرت أنّ هذه الروايات لم تكن دقيقة، وأن جزءًا من المواد المتداولة كان مفبركًا أو مولّدًا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فيما لم تتطابق الوقائع الميدانية مع السردية التي تم الترويج لها.

ولم تكن هذه الحالة الوحيدة. فقد انتشرت في مراحل سابقة صور قيل إنها تُظهر حشودًا مليونية مؤيدة للنظام الإيراني، قبل أن يتبيّن أنّ بعضها معدّل رقميًا أو مُنتج باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

وقبل ذلك، جرى الترويج لفيديو على أنّه يوثّق اعتقال خلية تجسس لصالح إسرائيل في ايران تضم هنودًا وأفغانًا. لكن التحقق أظهر أنّ المقطع قد بُثّ سابقًا على التلفزيون الإيراني، وهو يوثّق عملية توقيف عدد من “مثيري الشغب” في محافظة عبادان، من دون أي إشارة إلى جنسيات أجنبية.

اللافت أنّ هذا النوع من المعلومات المضللة غالبًا ما يُنشر عبر صفحات تمتلك عددًا كبيرًا من المتابعين، وبعضها موثّق بالعلامة الزرقاء، ما يمنحه مظهرًا زائفًا من المصداقية.

ولا تقتصر هذه الوقائع على حالات فردية، إذ يمكن رصد عشرات الأمثلة المماثلة التي اتبعت النمط ذاته: إعادة استخدام محتوى قديم، أو نشر مواد مفبركة، أو إخراج الأحداث من سياقها لخدمة رواية محددة.

ولا تقف تداعيات هذا النوع من التضليل عند لحظة انتشاره، بل تمتدّ إلى ما بعدها. فمع انكشاف الحقيقة، تتراجع الروايات المتداولة تدريجيًا، وغالبًا ما تختفي المواد التي جرى الترويج لها أو يُعاد تأطيرها بسرديات جديدة، من دون أي تصحيح واضح أو مساءلة.

وفي كثير من الحالات، يظهر التباين بوضوح بين الحماس الذي يرافق انتشار هذه المواد، وبين تراجع التفاعل معها بعد انكشاف عدم دقتها. ويصاب الجمهور بخيبة أمل.

هذا النمط، الذي يتكرر في أكثر من مناسبة، يشير إلى اعتماد أدوات التضليل الرقمي كجزء من الخطاب الإعلامي المرتبط بإيران، بهدف التأثير على الرأي العام وصياغة إدراك مختلف للواقع.

في زمن الحروب، لم يعد الصراع محصورًا بالميدان العسكري، بل امتدّ إلى ساحة الوعي. وما يُنشر ويُتداول قد يكون أحيانًا أخطر من أي سلاح، لأنه لا يستهدف الأرض فقط، بل يستهدف الحقيقة نفسها.

المقال السابق
حلفاء واشنطن الخليجيون يدفعون نحو تصعيد الحرب على إيران

لارا صقر

محرّرة

مقالات ذات صلة

هذه هي القصة الكاملة لقرار طرد السفير الإيراني من لبنان!

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية