تناول البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الأوضاع الوطنية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان، محذراً من تفاقم الأعباء المعيشية وتراجع القدرة الشرائية وتقلّص فرص العمل، ومشدداً على مسؤولية الدولة ومؤسساتها والمجتمع في مواجهة الفقر وحماية كرامة المواطنين.
وقال الراعي: «تضعنا كلمة الرب اليوم: كنتُ جائعاً فأطعمتموني، أمام امتحان لا يحتمل المواربة: ماذا نفعل بالإنسان الذي يتألم أمامنا؟ ماذا نفعل بالمحتاج، وبالعائلة التي لم تعد قادرة على تأمين أبسط ضروراتها، وبالشاب الذي يبحث عن عمل ومستقبل، وبالمواطن الذي يشعر كل يوم بأن الأعباء تُلقى على كتفيه؟».
وأشار إلى أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي و المعيشي أصبح بالغ القسوة، وأن المواطن يدفع الثمن الأكبر، في ظل ارتفاع كلفة الحياة وتزايد الأعباء وتراجع القدرة الشرائية وضيق فرص العمل، حتى بات يبدو أحياناً «وكأن أمور الدولة ومشكلاتها تُعالَج على حساب المواطن ومن نفقته».
وأكد أن المسؤولية تجاه المحتاج مشتركة بين الدولة ومؤسساتها والكنيسة وأصحاب الإمكانات والمؤسسات الخاصة والمجتمع المدني، داعياً إلى التعاون لتأمين مقومات الحياة الكريمة للعائلات، وضمان حق المريض في العلاج، والطالب في التعليم، والشاب في العمل، والمسن في العيش بكرامة. وأضاف أن «الجوع ليس جوعاً إلى الخبز وحده؛ هناك جوع إلى العمل، وإلى الأمان، وإلى العدالة، وإلى الشعور بأن الإنسان ليس متروكاً لوحده».
وفي مناسبة مئوية تطويب الإخوة المسابكيين، شدّد الراعي على أهمية الحضور المسيحي في لبنان والشرق، معتبراً أنه ليس امتيازاً ولا انغلاقاً على الذات، بل مسؤولية ورسالة وشراكة في الأرض ومستقبلها.
وحذّر من تنامي ظاهرة بيع الأراضي، داعياً إلى عدم التسرّع في بيعها أو التفريط بها، لأنها «ذاكرة وجذور وهوية ومستقبل»، محذراً من أن ما يخسره اللبنانيون منها اليوم قد لا يتمكن أبناؤهم من استعادته غداً.
كما تناول هجرة الشباب، مشدداً على ضرورة بناء وطن يتيح لهم العمل وتأسيس العائلات، ومذكّراً بتأكيد البابا لاون الرابع عشر ضرورة الحفاظ على الحضور المسيحي في الشرق ومساندة أبنائه للبقاء في أرضهم، شهوداً للوحدة والسلام.
وفي الشأن الأمني، اعتبر الراعي أن التطورات على الحدود تفرض نفسها قضية لا يمكن التقليل من خطورتها، لافتاً إلى أن تكرار محاولات تهريب المتفجرات والأسلحة والمواد الممنوعة يكشف أن الخطر ليس نظرياً، وأن أي ثغرة في ضبط الحدود قد تتحول إلى مدخل لتهديد أمن المواطنين واستقرار البلاد. وشدّد على أن ضبط الحدود بصورة جدية وفاعلة يشكّل جزءاً أساسياً من حماية لبنان.
وجدد التأكيد أن «حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية هو شرط أساسي لقيام دولة قادرة وعادلة، تتولى وحدها مسؤولية الأمن والسلم»، مشيراً إلى أنه لا يمكن المطالبة بالأمان مع القبول بتعدد المرجعيات الأمنية.
وقال إن الدولة المنشودة ليست دولة قوية على المواطن وضعيفة أمام الفوضى، بل دولة تحمي مواطنيها، وتضبط حدودها، وتطبّق القانون على الجميع، وتصون السيادة والحقوق من دون استثناء.
وختم بالتشديد على أن استكمال الواجب الوطني يقتضي معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة إعمار ما تهدّم، وتأمين عودة العائلات إلى بيوتها وقراها بكرامة وأمان، محذراً من أن يتحول التهجير إلى واقع دائم، أو يُترك المواطن وحيداً في مواجهة الخراب والفقر والخوف.