بعد ثلاثة وعشرين يوماً من الحرب، يمكن القول إن المشهد بات أكثر تعقيداً… لا أكثر وضوحاً.
ضربات قاسية وواسعة، تصعيد غير مسبوق، تحشيد عسكري أميركي متزايد، وجبهات مفتوحة من لبنان إلى الخليج. ومع ذلك، لا نصر واضح، ولا هزيمة معلنة، ولا حتى خريطة طريق للنهاية. كأن الحرب تتقدم… لكن الحقيقة تتراجع. المنطقة اليوم تشبه غرفة مظلمة… الجميع يتحرك فيها، لكن لا أحد يرى الآخر بالكامل.
الضربات تتسارع، الجبهات تتوسع، والقوى الكبرى تتحرك، لكن الإجابات تتراجع. ما يجري لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار مفتوح لمن يملك القدرة على الصمود، ومن يجرؤ على الذهاب أبعد.__text in bold__
في قلب هذا الضباب، تقف إيران. تلقت ضربات موجعة بلا شك، لكن ماذا تغيّر فعلياً في بنية النظام؟ لا أحد يملك إجابة دقيقة. انقطاع الإنترنت، شحّ الصور، غياب المعطيات الموثوقة… كلها عوامل تجعل من تقييم الخسائر أقرب إلى التخمين. الأكيد الوحيد أن النظام لا يزال قائماً. أما مدى ضعفه، فذلك سؤال مفتوح. ما يحدث هنا ليس مجرد غموض معلوماتي… بل غموض استراتيجي.
الأكثر دلالة أن إيران لم تنكفئ، بل وسّعت المشهد. تهديد مضيق هرمز، الإيحاء بالقدرة على ضرب منشآت الطاقة، وإطلاق رسائل عسكرية إلى ما هو أبعد من الإقليم. لكن هل هذه خطوات تصعيد حقيقية أم أدوات ضغط تفاوضي؟ لا جواب حاسماً بعد… وربما لا نية لكشفه الآن.
في الجهة المقابلة، تبدو إسرائيل أمام معضلة النتائج. الأهداف الكبرى لا تزال معلّقة: البرنامج النووي لم يُحسم، والقدرات الصاروخية لم تُكسر. أما الجبهة الشمالية، فتكشف بوضوح حدود القوة: عمليات برية مستمرة، لكن الصواريخ لا تزال تنطلق. لبنان لم يعد جبهة مساندة… بل اختبار فشل الحسم.
لبنان، بدوره، يتحول إلى مساحة مفتوحة لكل الاحتمالات. تصعيد عسكري متواصل، نتائج محدودة، واستنزاف متبادل. لم يعد السؤال إن كانت هذه جبهة ثانوية، بل كيف أصبحت جزءاً من قلب المعركة.
في الخليج، لا يبدو المشهد أقل تعقيداً من ساحات القتال نفسها. دول المنطقة ترفع منسوب خطابها تجاه إيران، وتدعم ضمنياً أي تحرك يحدّ من نفوذها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن أي مواجهة مفتوحة قد ترتد عليها أولاً. فهذه الدول تقف على خط تماس غير مباشر مع الحرب: جغرافياً قريبة، اقتصادياً معنية، وأمنياً مهددة. لذلك، تتحرك بحذر مزدوج؛ تضغط في اتجاه التصعيد حيناً، وتفكّر في احتواء نتائجه حيناً آخر. هي ليست خارج المعركة… لكنها لم تقرر بعد كيف تدخلها.
أما الولايات المتحدة، فتدير المشهد بلغة مزدوجة. تصعيد عسكري واضح، من الغارات إلى إرسال تعزيزات، يقابله تردد سياسي في إعلان الانخراط الكامل. الحديث عن تدخل بري، أو حصار بحري، أو حتى الاكتفاء بالضغط، كلها سيناريوهات مطروحة… لكن أيها سيتحقق؟ واشنطن لا تبحث فقط عن نهاية الحرب… بل عن شكل النصر.
في الخلفية، يخيّم عامل الطاقة. مضيق هرمز، أسعار النفط، استقرار الأسواق… كلها عناصر تجعل من هذه الحرب أكثر من مجرد مواجهة عسكرية. إنها معركة على من يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي… لكن من دون ضمان السيطرة عليها.
حتى في واشنطن، حيث تُصاغ القرارات، تبدو الصورة غير مكتملة. تقديرات باستمرار القتال لأسابيع، نقاشات حول المرحلة التالية، تعزيزات عسكرية في الطريق… لكن دون رؤية نهائية لكيفية إنهاء الحرب. ما يحدث ليس غموضاً عابراً… بل عجز عن الحسم.
في المحصلة، نحن أمام حرب مليئة بالوقائع… وفقيرة باليقين. كل طرف يتحرك، كل جبهة مشتعلة، لكن الصورة الكاملة لا تزال غائبة.
لهذا، ربما لم تعد المسألة من يملك الكلمة الآن، بل من يجرؤ على فرض الإجابة.
وفي هذه اللحظة تحديداً… الكلمة الآن للغموض والأسئلة.