مالك العثامنة- كاتب اردني
في لحظة ما من تاريخنا، توقفنا عن قراءة الماضي بوصفه تجربة إنسانية، وبدأنا قراءته بوصفه سيرة مقدسة، وحين يصبح التاريخ مقدسا، لا يعود قابلا للفهم، بل يصبح قابلا للطاعة، وتتحول الأسئلة إلى خطايا، والوقائع إلى رواية واحدة مكتملة، لا لأن ا لحقيقة كذلك، بل لأن الخيال الجمعي تعب من الشك، فاختار يقينا مريحا على حساب المعرفة.
من هنا بدأ الخطأ الكبير، مصطلح الجاهلية الذي كان في النص القرآني توصيفا لحالة سلوك، لحظة من العصبية أو الظلم أو الغرور، تحول في وعينا إلى اسم عصر كامل، وكأن ما قبل الإسلام كان صحراء أخلاقية مطلقة، فراغا بلا قانون ولا ثقافة ولا تعددية، وكأن الإسلام جاء ليخلق الإنسان من عدم، لا ليهذبه ويعيد توجيه مساره.
لكن قراءة هادئة في كتبنا نفسها، لا في كتب المستشرقين، تكشف صورة مختلفة تماما، جزيرة عربية مزدحمة بالحياة، فيها أسواق ومدن وتحالفات وطرق تجارة، فيها يهود ومسيحيون ووثنيون وحنفاء، فيها نجران المسيحية، ويثرب اليهودية، ومكة التي كانت عقدة طرق تجارة بين الهند والروم، وفي أطرافها ممالك قامت وتحالفت وتحاربت، اللخميون في الحيرة، والغساسنة في الشام، والأنباط في البتراء، وحمير وسبأ في اليمن.
في تلك الحيوات الكثيفة، كان السموأل اليهودي مثلا في الوفاء، يحتفي به الشعر العربي لا بوصفه غريبا، بل بوصفه واحدا من نسيج الأرض، وكان حاتم الطائي المسيحي رمزا للكرم في الذاكرة العربية، وكانت أسواق عكاظ وذي المجاز ليست مهرجانات شعرية فقط، بل مؤسسات اقتصادية وقانونية فيها عقود وتحكيم وتجارات وعهود، وهذا كله في كتب السير والتاريخ التي قرأناها في مدارسنا، لا في كتب الغرب.
والحديث عن الجزيرة قبل الإسلام لا يكتمل من دون التوقف عند الحضور اليهودي فيها، وهو حضور موثق في أمهات كتب التاريخ والسيرة الإسلامية نفسها، فـيثرب مثلا لم تكن مدينة بقبيلة واحدة، بل نسيجا سكانيا معقدا، فيه الأوس والخزرج، وفيه قبائل يهودية مثل بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، وكان لهم حضور اقتصادي وزراعي وثقافي معروف في الروايات المبكرة، كما كان لليهود وجود في خيبر ووادي القرى وتيماء، ووجود مسيحيين في نجران والحيرة، وغيرهم من الحنفاء والوثنيين في مكة والطائف، وهذا التنوع الديني والعرقي لم يكن استثناء، بل جزءا من طبيعة الجزيرة العربية بوصفها معبرا للتجارة والهجرات، ومكانا التقت فيه طرق الهند والروم والحبشة وفارس، وهو ما يجعل صورة الجاهلية بوصفها فراغا دينيا أو أخلاقيا مطلقا صورة غير دقيقة تاريخيا، لأن الوقائع التي نقلها مؤرخونا أنفسهم تقول إن تلك الأرض كانت مليئة بحيوات متعددة وعلاقات معقدة وثقافات متجاورة قبل الإسلام وبعده.
كيف تحولت هذه الحيوات إلى كاريكاتير اسمه الجاهلية، إلا لأن التاريخ حين يكتب لخدمة شرعية سياسية أو مذهبية، يصبح انتقائيا، ويصير الماضي مجرد مقدمة مثالية لعصر نريده أن يبدو بلا خطأ، ومنذ اللحظة التي تحالف فيها السلطان مع الفقيه في أي عصر، صار التاريخ أداة تبرير لا أداة فهم، وصارت الرواية الواحدة شرطا للاستقرار، لا نتيجة للبحث.
هذا التبسيط صنع وهما مزدوجا، وهما بأن ما قبل الإسلام كان ظلاما مطلقا، ووهم بأن العصر الإسلامي كان نورا بلا أخطاء، وبين الوهمين ضاع التاريخ الحقيقي، بكل صراعاته وتنوعه وتناقضاته، فصارت المخيلة الجمعية تبحث عن نموذج طوباوي مستحيل، وتريد استعادته بالقوة أو بالتأويل القسري للنصوص، وكأن الماضي كان جنة ضاعت منا، لا تجربة بشرية فيها نجاح وفشل مثل كل تجارب البشر.
في المقابل، كان العالم الآخر الذي نظنه اليوم مصدر التنوير يعيش عصور تعصب قاسية، يكفي أن نتذكر كيف صاغ شكسبير شخصية شايلوك في تاجر البندقية بوصف نمطي جارح، بينما كان العرب قبل الإسلام يحتفون بوفاء السموأل اليهودي في أمثالهم، وهذا لا يعني أن الجزيرة كانت جنة تعددية، بل يعني أنها كانت جزءا من عالم قديم معقد ومتداخل، لا أسطورة سوداء ولا أسطورة بيضاء.
المشكلة ليست في الدين، بل في الخلط بين الدين والتاريخ، الدين إيمان وروح، أما التاريخ فهو وقائع بشرية قابلة للنقد والمراجعة، وحين نخلط الاثنين، نصنع دينا يخاف من السؤال، وتاريخا يخاف من الحقيقة، ونبني وعيا يرى الماضي مثالا مطلقا والحاضر انحرافا دائما.
أول خطوة في طريق النضج الفكري ليست مهاجمة التراث ولا تقديسه، بل تحريره، أن نقرأ تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده بعين الباحث لا بعين الواعظ، أن نفهم أن الحضارة العربية الإسلامية لم تولد من فراغ، بل من تراكم إنساني طويل في هذه الأرض، شارك فيه يهود ومسيحيون ووثنيون وحنفاء وشعراء وتجار ومحاربون قبل الإسلام وبعده، وأن قوة الإسلام لم تكن في محو ما قبله، بل في قدرته على استيعابه وإعادة توجيهه.
التاريخ حين يتحرر من القداسة الكاذبة، لا يهدم الدين، بل ينقذه من الاستخدام السياسي، ويعيد للإنسان حقه في الفهم، وللماضي حقه في الحقيقة، وللحاضر حقه في أن يبني مستقبله بلا أوهام، فنحن لا نحتاج إلى جاهلية سوداء لنثبت نور الإسلام، ولا إلى عصر ذهبي متخيل لنبرر عجزنا اليوم، بل نحتاج فقط إلى شجاعة النظر في المرآة، وإلى أن نقول لأنفسنا، إن الجاهلية التي نخاف منها ليست في الماضي، بل في طريقة قراءتنا له.
